omarchebli@hotmail.com

                                                                                                                                                                                

 

                                                                                        

الصويري                    

               

                      "لايُلام المرء على حب                  

                                  أهله"

                                   ******

         ليتـنا يا أختُ ما زلنا على تلك السطوحْ

             نمتطي صوب الأماني طائراتٍ من ورقْ.

             يومَ كنا نحسب الغيمَ قطيعاً, والسماوات حقولا                      

             ونظنُّ الكونَ هذا ينتهي خلف الجبلْ.

             آهِ من خلف الجبلْ

             كم تصايحْنا لكي نصعده, ثم نعسنا                                               

             عند "قصر البيك" في الوادي القريب.

             كان قصر البيك مسحوراً, وأغرانا المكانْ.

             كم تصايحنا لكي يسمعنا "البيك"وينسانا الزمانْ

 

 

 

 

الصويري

 

 

 

    لماذا أكتب عن الصويري ؟

   

    أنا أعتقد جازماً أن الكتابة لامعنى لها حين تنفصل عن الإنسان وهمومه وأمانيه وطموحاته , والكتابة لا يجب أن تكون "كاميرا", وإنمايجب أن تسهم في بث الحياة في المادة التي يعجن منها الكاتب كائناته الفنية, وبمعنىآخر يجب أن تدخل روحه فيما يكتب حتى لكأن مايكتبه جزء من ذاته المادية والمعنوية, يجب أن يلد مولوداته من رحم المعاناة والاحتكاك الحميم والصعب بالأشياء, على الكاتب أن يكون مؤمن القلب واللسان فيما يكتب , ولا إبداع حيث لاحب,والحب في المخلوقات ليس مرتبطاً بالفهم ومن هنا بديهيته وأبديته في آن,إنه ومض يسطع في الذات . الأشياء تكون هامدة ولكن الحب يبعثها, ويجعل الكلمة تحمل رائحة من دم القلب. هذا يفسر سبب كتابتي عن الصويري, أكتب عنها لأنني أحبها, والحب مُذ كان, مرتبط بالمكان وبالزمان , والمكان لامعنى له منفصلاً عن الإنسان , في الصويري أشعر بأنني في مقابلة مع الأرض, وعلى موعد مع الأبدية , أما في المدن التي أخذتني إليها الأقدار فقد كنت أشعر بالغربة والمنفى , ليس لعدم وعي ٍ للمدينة وما فيها من تجدد مستمر,وإنما لأن أصولي الفكرية والمادية ظلت فلاحية, ولذلك تراني مشدودأ إلى الأطعمة المرتبطة بالأرض, ظللت في المدينة قروياً, وكنت أحس أن الأرض التي أسير عليها في المدينة بلاستيك والسماء فورمايكا, نعم حتى السماء في الصويري تختلف عن السماوات الأخرى, إنها تحتضن الصويري من طرفيها, من تلة الخضر حتى برك الرصاص, ولذلك كنت أعتقد أن السماء قريبة جداً منا, ونستطيع أن نلامسها من تلة الخضر أو برك الرصاص, كنت أعتقد أن السماء تسمعنا قبل القرى الأخرى. إنها عباءة الصويري الزرقاء.

    كنت أحلم,  والكتابة المبدعة في رأيي يجب أن تساهم فنياً في ترتيب الأشياء منسجمة مع الحلم سواء أكان هذا الحلم كابياً في الماضي أم وافداً من المستقبل , وبالإبداع وحده يصبح الماضي مهماً كالمستقبل لأية محاولة في  تنقية إنسانية الإنسان , بهذا المعنى تصبح الأطلال في الشعر الجاهلي حميمة كالحبيبة نفسها . وأنا أعتبر أن ماضي الصويري يحمل كل أسباب تقدمها , لأن ماضيها مملوء بالنبل والكرم والمروءة والفتوة . 

    ليس هناك مكان قبيح أومكان جميل خارج الوجدان الإنساني , جمالية الأشياء تنحفر وتسطع في الوجدان عبر تجربة الحياة نفسها, وأنا ليس قلبي طوع يدي, فالصويري أجمل ما في الدنيا لأنني هكذا رأيتها في حلي وترحالي, والإبداع لايتحقق خارج الحب والحلم والموهبة المبدعة . قرأت لشعراء أجانب كبار عن توقهم لرؤية نهر" بويب " الذي لايختلف أبداً عن أي نهر في الدنيا , إنه ماء بين ضفتين تنمو عليهما الأشجار , إنما السياب أنقذ هذا النهر من الجغرافية العادية وأدخله في الوعي الوجداني الممتلئ بالأسرار والأدغال الخرافية التي تنمو فيها الصور والأخيلة كلما نما الزمن وتقادم العهد .

    الصويري بالنسبة لي ليست الأرض الأولى التي نسجت تفاصيل هذا الهيكل الفاني فقط , وإنما هي أيضاً السماء الأولى التي سكبت في أعماقي كل مافيها من أنوار وامتداد  وحنين, من يدري ؟! لو لم تقذف بي الأقدار بعيداً عن الصويري لما أحببتها هذا الحب الأسطوري , لقد اقتربت أكثر من هذه القرية الجميلة يوم كانت المسافات بيني وبينهالا تُقطع إلا بالطائرات وعلى امتداد ساعات وساعات, الفراق يظهر العواطف المطمورة في العالم الجوّاني , ويجعلك ترى الأشياء بشكل مختلف ,هذا الوطن الذي تآمرنا على ذبحه أقمته في المنفى وثناً وتباركت به , كنت أحس أن المسيل في قريتنا يسيل من عروقي , وأن أشجار السنديان التي تحرس ما تبقى من الماضي تحرسني في المنفى لأنها كانت شديدة التفاؤل وتسير إليّ كغابات مكبث لتنقل لي همس الساحرات اللواتي يكشفن النقاب عن المستقبل : أنني سأعود , وأن الحياة لابد أن تكون عادلة ذات يوم . للصويري جمال أخّاذ لأنك حين تزورها تشعر أنك أنت والشمس والأشجار وأطفالها غارقون في السعادة, ولأن قلبك يضحك فيهاحتى في  ساعة الموت.    

    أنا أكتب عن الصويري لكي أبعث في أهلها حبها ولو كانوا على طرف الأرض, يجب أن يعودوا إليها ويجب أن تعود لهم , يجب أن يذكروا طفولتهم فيها لتساعدهم على اجتياز المحن والصعاب , الحياة عندما تخلو من الذكريات تصبح بلا معنى وتفقد قدرتها على الجذ ب والبناء , وتصبح جثة بلا روح. الحياة بلا طفولة يابسة كالأخشاب , والطفولة هي حنين العقل البشري إلى اكتشاف أدغال القلب.

    العودة إلى الصويري صويري الأمس تعني العودة إلى الحكمة والحب والإيثار وانتصار الروح الجماعية على النزعة الفردية النابية عن التجربة الجماعية الجميلة .  

    بعث هذه الروح مجدداً نحن بحاجة إليه , ولذلك أكتب عن صويري الأمس من أجل صويري اليوم وصويري المستقبل.

    الكتابة عن صويري الأمس هي محاولة للعودة إلى زمن البراءة , يوم كنا نراقب آخر قنديل لا يزال ساهراً في القرية ونذهب لنتم سهرتنا وبلا دعوة وبلا قرع أبواب, كانت غرفة الاستقبال هي نفسها غرفة النوم أحياناً , ومع ذلك فكل ما في البيت محرَم , لم يكن هناك خجل بالمعنى الدوني لأن الخجل صدى لرغبات مكبوتة, والتي قد تكون رغبات حمراء , كان الخجل القروي سامياً مترفعاً باستمرار رغم فتوة الشباب وغليانه في الشرايين والأوردة.  

أكتب عن صويري الأمس لكي أحث الناس اليوم على التماسك في المحن والشدائد , الناس في قريتنا إلى اليوم عندما يحل موت في بيت يتقاسمون المعزين وأهل العزاء بعد دفن الميت مباشرة , ويطبخون وكأن الفقيد في كل بيت . وإذا زرتهم يفسحون لك المجال في أرواحهم .

    أكتب عن صويري الأمس للعودة إلى العصر الزراعي, يوم كانت الأرض تطعمنا اللقمة الحلال التي تولد فينا ميلاً للعبادة , ويوم كانت الأرض بمنزلة الأم والأب . كنا نعمل من أجل نفس الخبز ونفس الحلم , يومها كانت ليالي المطر أعراساً  .

    أكتب عن صويري الأمس تعزيزاً للروابط في الأسرة, كانت الأسرة كلها تأكل في ماعون واحد , وأحياناً نتناوب الملعقة الخشبية الواحدة , قبل ظهور عصر الحديد والبلاستيك والفورمايكا , كان الشاب نادراً ما يدخن , وكان يخشى أن يراه والده إذا دخّن

    كانت تلك البيوت الفقيرة المتراصة تغفو على حب, وتصحو على حب, وكانت الأزقة الطينية تذكرك بأن السماء ليست بخيلة هذا العام. وكان الرعاة يلاحقون العشب والشمس من الجبال إلى الجبال. وكانت المنجارة حين ينبعث أنينها تملأ الأرواح قبل المنحدرات والأودية . ولم يكن لدى الرعاة وقت لإقامة المآتم , ولذلك لم يذهب "بوشاب" لجنازة أخيه علي في بلاد الشرق عندما أخبروه بوفاة أخيه, وقال:

يوم كان يحتاجني ما ذهبت إليه,

فما نفع أن أذهب الآن وهو تراب .

وآب مساء, وعيناه غارقتان كنجم بعيد.

ووزّع عن روحه جفنة ً من حليب.

    وكذلك لم يكن لديهم وقت للأعياد , يتفاهمون عبر الأودية, ويتحادثون من واد لواد , وكأنهم على مائدة واحدة. كانوا يعرفون أشجار الأحراش شجرة شجرة, ويستطيعون السير في الجبال والمراعي وهم مغمضو العيون, لشدة معرفتهم بها وكانوا يعرفون مراتب المطر,ومتى يسحّ مدراراً, ومتى يأتي رذاذاً, كلابهم تفهم أوامرهم بسهولة , وهم لايقسون مع كلابهم أبداً, يطعمونهم مما يأكلون بكرم وسخاء, لأنهم يفتقدونهم في الليلة الظلماء, وفي المراعي البعيدة , والذئاب ترصد خطأ لتنقض على القطيع .

    ولأن الوعي هو المقدمة الأولى للحرية كان لابد من الريف, لأنه جغرافية الحرية بمعناها البدائي غير الخاضع لإشارات السير الخضراء والحمراء. وإذا كانت رسالة المبدعين أن ينقلوا البشرإلى أيام أكثر جمالاً فالعري ضروري , وعنيت بالعري تمزيق الأقنعة,والظهور أمام الناس بلا مكياج فكري أو حضاري , ومن هنا يغدو الريف ضرورة ملحّة.

    قال الإمام علي كرّم الله وجهه: "من وثـق بماء لم يظمأ", وعملاً بهذه الحكمة الخالدة لا أزال واثقاً من أن الصويري ستصل إلى مستقبل مشرف لأنها تملك أصالة الماضي وإرادة الانتماء إلى المستقبل بكل ما فيه من علم وطموح وبناء , فوجئت بعد عودتي من رحلة الشقاء بالنهضة العلمية التي تنتهجها الصويري اليوم , وأنا فخور بها, ويقيني أن هذه النهضة ستنمو أكثرلأن الإرادة واضحة في عيون الآباء والأبناء معاً . سمعت كثيراً أنني كنت الأنموذج الذي يحلمون بتقليده , ومع ذلك فلولا توفر الهمة والحافز فيهم لماحاولوا التمرد على الحالة السكونية التي كانت تسيطر على القرية , وحضورهم الدائم في الحالة الإيجابية اليوم هو ثمرة الغياب المديد في ما هم ثائرون

عليه اليوم . إن نور الحقيقة الكامن فينا يبدد ظلمة الطريق, ويزيل وعثاء السفر, وسنصل إلى حيث يجب أن نصل.

    حقولنا ليست جافة, وكذلك قلوبنا, والحياة لاتقبل الفراغ.

    "إننا محكومون بالأمل" ونعم الحكم هو. ولابد من عبور مرحلة الاستيعاب للوصول إلى  الحالة. وليس للإنسان من غاية في عمره الممتد بين المشيمة والكفن سوى المعرفة التي هي مفتاح كل الفضائل التي تجعل الحياة أجمل وأنقى وأرقى.

    لأجل ذلك كله أشعر أن علي ديْناً لأهل قريتي,وسأحاول وفاء بعضه عبر هذا الكتاب الذي أتمنى أن يرافقكم حتى إلى غرف النوم .

  

الموقع والخصائص

 

    " تقع الصويري في قضاء البقاع الغربي , على متوسط ارتفاع 1050م عن سطح البحر , وعلى مسافة 60 كلم من بيروت عبر شتورا ـ برالياس ـ المصنع . مساحة أراضيها 1403 هكتارات. زراعتها حنطة وكرمة. عدد أهاليها المسجلين قرابة 5700 نسمة من أصلهم حوالي 2150 ناخباً .

 

الاسم والآثار

    رد فريحة الاسم إلى الآرامية على أنه اسم مفعول من جذرsur  أي " المُحاصَرة والمحاط بها " والظاهر أن الصويري كانت بلدة آرامية إذ لايزال فيها من آثار ذلك العهد أساسات ضخمة لأبنية خربة وبقايا بناء قديم عظيم الحجارة,  كما وجد فيها بعض الأواني الخزفية والنواويس والأجران , وذكر باحثون أن من آثارها ما يعود إلى الحقبة الكنعانية ومنها ما يعود إلى الحقبة الرومانية  "[1]

    ما نود أن نذكره هنا أن الرقم الذي اعتمده المؤلف طوني مفرج حول تعداد سكان الصويري مأخوذ من إحصائيات قديمة , اليوم يتجاوز التعداد السكاني للصويري عشرة آلاف نسمة ,وزراعتها لم تعد مقصورة على الحنطة والكرمة بل غدت بسهولها بستانا ًيحتوي على معظم الأشجار المثمرة والمنظمة بشكل متناسق جميل يدل على خبرة عالية لدى أهلها في الزراعة بمهنية متقدمة .

    وجاء في الجزء السادس من " موسوعة المدن والقرى اللبنانية " " إعرف لبنان" : الصويري " محافظة البقاع  .... قضاء البقاع الغربي ... ترتفع عن البحر 1050 م تبعد عن بيروت 60 كم  ... عن مركز المحافظة 20 كم وعن مركز القضاء 18 كم ...

أصل اسمها : الأرجح كونها آرامية من جذر "صور" ومعناه حاصر المدينة وأحاط بها والوزن اسم مفعول مؤنث : المحاصرة والمحاط بها .

    تاريخها وآثارها : في منطقة عقبة توجد آثار قديمة العهد وبقايا أوانٍ فخارية . كما توجد في منطقة "سطية" خرائب وبناء قديم حيث تقوم حجارة ضخمة حفرت عليها نقوش تعود إلى عهود غابرة . وتوجد أيضاً أساسات لمنازل قديمة ."[2]

    واشتهرت الصويري , هي والقرى المجاورة بأنها محطات تجارية كبرى , تحدث عنها التاريخ الوسيط والقديم, حيث كانت القوافل تسلك الطرقات منها باتجاه راشيا وحاصبيا وصولاً إلى فلسطين وشبه الجزيرة العربية, ومنها أيضاً إلى بلاد الشام , يرى الباحث"هاني عبد الحسين عبد الله في رسالته المقدمة لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة القديس يوسف بيروت":

    " تبدو أهمية البقاع بالنسبة لبلاد الشام إلى جانب الأهمية الاقتصادية, في اتصاله المباشر بجبال لبنان الغنية بالأخشاب الممتازة والتي سعى للحصول عليها معظم الفاتحين الذين أتوا من الشرق لبناء قصورهم ومعابدهم وسفنهم, كما تبدو هذه الأهمية في حرية اتصاله بأهم مدن الساحل السوري اتصالاً سهلاً وسريعاً عبر الممرات الجبلية في السلسلة الغربية, واتصاله بدمشق وباديتهاعبر ممرات جبلية وأودية ساعدت فيما بعد على شق الطرق البرية الجبلية وأهمها ممر وادي الحرير ووادي القرنة {ويقصد وادي القرن} فيما بين بلدة المصنع في الغرب {ويقصد بلدة الصويري} وبلدة ديماس السورية في الشرق"[3], وبعد الفتح الإسلامي للبقاع على يد الصحابي أبي عبيدة بن الجراح سنة 635م, ومنذ بداية  العصر الأموي،  صارت الصويري والقرى المجاورة لها تلعب دوراً متشعب الأهداف حيث بنى الوليد بن عبد الملك مدينة عنجر مصطافاً له ولأمراء بني أمية لقربها من النبع المعروف ب "عين جراّ". ولتنفيذ مشروعه استعان الخليفة بعدد من المهندسين والحرفيين والصناع البيزنطيين والسوريين . وقد استخرج هؤلاء الحجارة اللازمة للبناء من عدد من المقالع المجاورة كمقالع بلدة كامد اللوز وسطية في الصويري . وإذ كانت عنجر مصطافاً للأمويين، فقد كانت الصويري مركز انتاج زراعي وتجاري , واستقرت القبائل العربية في البقاع بعد الفتح الإسلامي وتحضرت وعملت بالزراعة والتجارة , ويستدل من أسماء العائلات في الصويري على تحدرها من القبائل العربية التي جاءت من الجزيرة العربية , آل عامر الموجودون الآن في الصويري يرجعون بأصولهم إلى القبيلة العربية الأصيلة بني عامر ومنهم الفارس العربي المعروف عامر بن الطفيل والشاعر لبيد بن ربيعة العامري صاحب المعلقة الشهيرة, والعامريون من القبائل التي لعبت دوراً هاماً في التاريخ العربي والإسلامي , وكذلك عائلة زيتون المتحدرة من الجزيرة العربية وقد جاؤوا إلى الصويري من فلسطين , وهم في العراق عشيرة ترجع بأصولها لزبيد التي ينتمي إليها فارس العرب عمر بن معدي كرب الزبيدي الذي كان فارساً وشاعراً مخضرماً شهد القادسية واستشهد في معركة نهاوند في بلاد فارس, وله شعر جميل منه:

ليس الجمالُ بمئزر ٍ    فاعلمْ , وإنْ رُدِّيتَ بُردا

إنّ الجمـال معادنٌ     ومنـاقبٌ أُورِثـْنَ  جدّا

مـات الذين أحبهم     وبقيت مثل السيف فردا

    وعائلة بلعيس أصلها أبو العيس أي صاحب الجمال والقوافل , وعائلة شبلي ترجع بأصولها التاريخية إلى زبيد. وآل الصميلي من العشائر العربية الأصيلة الوافدة من شبه جزيرة العرب , وكذلك آل شومان وآل الطحان وجانبين وباقي العائلات في الصويري كلها ذات أصول عربية استقرت في هذه الأرض مع الفتح الإسلامي , ولقد كان قد حدث تغيير على الأسماء عبر التاريخ الطويل الطويل.

******

 

    الصويري تحدها جديدة يابوس من الشرق ومن الجنوب قرية المنارة , ومن الجنوب الشرقي عيتا الفخار ومن الغرب تلة الخضر التي تطل على الذكوة , ومن الشمال والشمال الغربي عنجر ومجدل عنجر , ويقع المصنع أيضاً شمالها , وكانت في الماضي مشهورة بكروم العنب , وكان فيها معصرتان معروفتان يحول العنب فيهما إلى دبس , وهما معصرة بيت زيتون ومعصرة بيت الصميلي , وقد اختفتا بفعل الزمن والمعاصرة . وكانت الصويري تجلب ماءها من العين قبل إنشاء مصلحة مياه شمسين في أوائل الستينيات .

    هناك إصلاحات في الطرق تقوم بها البلدية, ومحاولات جادة في مجالات أخرى, ونأمل أن نرى إصلاحات مستمرة في مختلف المجالات.

    كان القرويون يجلبون الماء لبيوتهم من " العين" التي تبعد أكثر من ثلاثة كيلو مترات عن الضيعة في تلك الأيام, أما اليوم فقد أصبحت العين محاطة بالبيوت , وفقدت إيقاعها الخالد المنهمر من المزاريب الصافية , كانت للعين ودربها ومزرابَيْها قصص تبدأ من آهات العشاق ولا تنتهي أبدأ , كان الذهاب إلى العين لجلب الماء أجمل المناسبات للصبايا والشباب لكي يبدأ الحب العذري الجميل , كان الصبايا يحملن الجرار على رؤوسهن, وتضع الصبية تحت الجرة اللكلوك , وتضع الجرة المملوءة بالماء فوقه , وتسير بها إلى القرية دون أن تسندها بيديها, وهذا بالطبع يحتاج إلى دقة وتركيز عجيبيْن , والأعجب أن الصبايا كنّ يغنيّن, والجرار على رؤوسهن , وكأنهن لا يحملن شيئاً , وكن يتحدثن علىالحب وما يرافق ذلك من هياج عصبي, مع العلم أن درب العين كانت غير معبّدة ومملوءة بالحجارة والصخور . كانت استقامة الجرة على الرأس مدعاة للتباهي عند الفتيات والأمهات , وكانت درب العين تشهد ميلاد حب , ووداع حب , اليوم درب العين لم تعد تغري العشاق , لقد جفت " العين" وقتلت سكينتها وموسيقى مزاريبها , ولم يعد فيها من الأمس إلاّ جدرانها وسقفها المهجور ومزاريبها الجافة من الحب والماء, حين أرى عين الصويري في هذه الأيام أشعر بما يشبه الحلول, أشعر أني أرى فلانة التي لاتقل موسيقى صوتها عن كركرات السواقي التي تعبر المحاور باتجاه المسيل. أحس بحزن عميق حين أرى مزاريب العين اليابسة , لم يعد يزورها أحد , حتى العصافير هاجرت عن "العين" , ولم يعد أي أثر للقرة والجرجيرة , والأحواض التي كانت منهلا للرعاة يابسة وخاوية , أما أصدقاء الأمس الذين كانوا يزورون العين يومياً فقد فرقتهم الأيام وصروف الدهر , بعضهم مات وبعضهم قذفت به الأقدار خلف المحيطات .

    أما أنا فقد عدت للعين من رحلتي العجيبة , وأقسم أنني كنت أحمل ذكرياتها وتفاصيلها في صدري , وحين عدت من موتي لم أر أحداً يزور العين لأجل ارتباطها بكل ما في الماضي من جذب وحنين , فقط أنا وقاسم نجيب نزورها باستمرار إلى الآن ولنفس السبب , رأيت صديق العين القديم " قاسم نجيب " يزورها باستمرار, سألته أكثر من مرة : إلى أين أنت ذاهب يا قاسم ؟ وكان جوابه باستمرار : إلى العين . أكرر السؤال : العين ناشفة فكيف تزورها ولا ماء بها ؟ فيتمتم بكلام مجهول , كأنه قادم من ذلك الزمن الذي أفلت منا ولم يعد .

    السنة هذه عادت المياه إلى العين لفترة , وعمت البهجة القرية , وبدأ الناس يتداولون خبر عودة الماء وسخاء المزرابيْن الدهريين , فقط أنا وقاسم نجيب نزورها ناشفة ودفاقة .      

    الصويري الآن تغيرت كثيرا وعلى الأخص أبنيتها , فلم تعد ترى إلا نادراً تلك البيوت الحجرية القديمة ذات السقوف الترابية السميكة , والصويري اليوم فيها مجلس بلدي , وفيها هيئتان اختياريتان , وفيها ثانوية جميلة تنتصب هناك على مرتفعات القرية الجنوبية تغري الرائي بزيارتها لأناقتها وإقامتها وحدها قرب حرشها الجميل . وسهول الصويري الفيحاء تحولت إلى بساتين جميلة متناسقة , وقلما بقيت مساحات لزراعة الحنطة , ومن المناظر الجميلة في الصويري اليوم انتثار البيوت بين البساتين , وبعض البيوت لاتكاد تراها حتى تصل إليها , لأنها مغمورة بالشجر العالي مما يعطيها جمالاً سحرياً أخّاذاً .  

    الصويري  تنام منذ القدم على سفح السلسلة الغربية لجبل الشيخ , ونومها فيه كل عناصر اليقظة , لما تحمله من حركة دائبة في بشرها ومعاولها ومحاريثها وهوائها الذي لايقل تأثيراًعن وصفة الدواء . تنتصب أمامها تلة الخضر , حيث يوجد "مقام الخضرالأخضر" في أعلى "البيّاض" بوقاره وتأثيره على وجداننا الشعبي والروحي , وإزاءه الشجرة العملاقة التي لاتزال تقاوم الأنواء والأعاصير , وإن تركت فيها الأيام والليالي تجويفاً واسعاً يتسع لدخول إنسان في جذعها, وكانت أمي تقول لي إن هذه الشجرة من عصر أبينا آدم , وهي لن تموت مادامت الأرض والسماء , وحين سألتها متجاوزاً على وقار معلوماتها التي لايرقى إليها الشك , كيف عرفت يا أمي أن هذه الشجرة من عصر أبينا آدم , وكيف عرفتِ أنها لن تموت ؟!!! زجرتني كما يزجر الشيخ الصوفي أتباعه :  ـ هل أنت كافر؟!

ـ لا لا أبداً أنا مؤمن كثيراً وإني أقسم بالخضرالأخضر يا أماه على صدق إيماني .

    وتردف أمي بانتصار منطقها ومعلوماتها المطلقة وعلمها اللدنـِّي :

ـ إذا تجرأتَ على مقام الخضر فسوف يأتيك في الليل بشكل حنش , وحين تموت فسيكون هذا الحنش ممدداً في قبرك ولا يستطيع أحد إخراجه من قبرك أبداً ,

    وهاتِ نوماً يا ليل الشتاء الطويل في الصويري .   وتصر أمي وأنا التصق فيها أكثر من شدة الخوف في ليالي كانون الأصم  على أن تقسم أن هذا الحنش رأوه في قبر فلان وفلان من القرية , لأن فلاناً تزوج عل خلاف الدين , ولأن فلاناً سرق بيدر بيت فلان  ولأن فلاناً شهد زوراً وقطع ميراث أرملة بما له من سلطة .

    من يومها خفت من شهادة الزور ومن السرقة , ومن مخالفة الطبيعة الآدمية في الزواج , وقررت مجانبة هذه المنكرات . لكن الدرس كان قاسياً حيث كنت أخاف من الخضر وحنشه أكثر من الخوف من عزرائيل نفسه , وقضيت ليالي طوالاً وأنا أقرأ المعوذتين دفعاً للأذى , حتى أنني أحياناً كنت أحس أنني أردد القراءة وأنا نائم , وتقول أمي إن كل الناس يؤمنون بالخضر الأخضر ومعجزاته , ومن لايؤمن به يا ويله وحين كنت أصرّ على مصادر معلومات أمي كانت تؤكد أن هذه المعلومات موجودة في كتاب بيت " عبد الكريم " الذي يضم علم الأولين والآخرين, وكم حلمت فيما بعدها أني آخذٌ هذا الكتاب , وأنا ألتهم مافيه من العلم وحدي منعزلاً في "خلة القتيل".    كانت أمي مملوءة بالأسرار كغابة بلا حدود , كانت تعرف الكثير عن" بلاد بشارة " وتعرف أسرار" خلة القتيل" وأسرار الجن الذين يقيمون العرس في "النجمة" ليلاً , وأعتقد أنني سأعود إلى أمي وكنز علومها الموصد على أسرار الكون كله .   

    كانت الصويري السماء الأولى , وكنت عند غروب الشمس أراها تلامس تلة الخضر ودخل في خَلَدي أنها تبيت عند الخضر الأخضر لتشرق صباحاً من وادي العمود في الجهة المقابلة.

    وبين تلة الخضر ووادي العمود كان هذا الطفل المسحور يشعر أنه منذور ليصعد إلى تلة الخضر ليعرف سر مغيب الشمس عند سيدنا الخضر الأخضر الذي لايموت لأن حصانه شرب من ماء "عين الحياة" , وقررت البحث عن ماء عين الحياة لأشرب منها لأصبح من الخالدين . يا طين هذي الأرض إصنع جسدي ثانية من مادة الخلود .

    كان هذا الفتى الدهري مسكوناً بهاجس السفر, وكانت وديان الصويري وامتداد سهولها لأبعد من "سطية" تغريني بمرافقة النوَر إلى حيث لاتنتهي الطرقات حيث المناطق العذراء المملوءة بالدهشة والغرابة . وامام إغراء المدى رحت أسأل أمي العالمة بكل شيء والتي تستطيع أن تجيب



[1] ـــ موسوعة قرى ومدن لبنان , الجزء الخامس عشر طوني مفرّج

[2] ــ اعرف لبنان ـ موسوعة المدن والقرى اللبنانية , الجزء السادس

[3] ـ مسالك التجارة والحروب في البقاع والجنوب ـ هاني عبدالحسين عبد الله ص 9

                                                                                        

 

على أي سؤال, ماذا وراء الجبل يا أمي ؟, والتفتت إليّ بغضب , وقالت كيف تسأل هذه الأسئلة الحرام ؟!!! واجتاحتني قشعريرة المحرمات وخشيت من الخضر أو الحنش , لا فرق فكلاهما يرعبني بالقدر الكافي , رحم الله أمي كنت قد سألتها هذا السؤال , وأنا لا أتجاوز الخامسة من عمري , وأذكر أنني في السابعة عشر ذهبت إلى بيروت لأول مرة , وحين تجاوزنا "ظهر البيدر" وأطللنا علىبيروت ورأيت البحر تذكرت أمي , وتساءلت هل تعتبرني أمي آثماً لأنني تجرأت على اختراق ما تراه مناطق لايجوز التفكير بالعبور فيها لأنها مملوءة بالأسرار المحرمة على الناسوت الإنساني .؟!!

لا أزال أذكر سفري الأول إلى "سطية " والتي لاتبعد عن بيتنا أكثر من ثلاثة كيلومترات , ذهبت برفقة حسن ابن خالتي " قدريـّة " لنودّع المعّازة الذاهبين إلى بلاد بشارة بقيادة عميد الرعاة " بوشاب " , وكم كنت متلهفاً للذهاب معهم إلى حيث لا أعلم حيث الأحلام تتشابك  كالغابة العذراء , وحيث الدخول في الغرابة قمة اللذة التي كانت تجعلني أحس بمثل تلك القشعريرة تحت اللحاف الدافئ في الليالي القارسة . عند " سطية " أورد الرعاة قطعانهم من "الجابية" الموجودة عند عين سطية وسقونا حليبا رغوته لها ما يشبه "وشوشات الصباح" وأمرونا أن نرجع بسرعة خوفاً من الوحوش , أبت مع حسن  قدرية , وأنا ممتلئ بالحزن والانكسار, إن هؤلاء الرعاة سيصبحون عارفين , سيصلون إلى هناك حيث الأمكنة بلا أسماء , وحيث الكشف مصحوب بلذة لايدركها إلا أصحاب الأحلام الكبيرة, وحيث السماء والأرض تتبادلان الحب على إيقاع الرياح وأجراس الكراريز وأنغام الناي الذي لاتدرك أبداً أين ينتهي القصب الحنون وأين تبدأ الأصابع وهل هو يتأوه أم يحكي قصة الذين سبقونا على طريق اكتشاف الوجود , لشدة مايحمل من وجد عازفه وحنينه إلى البحث عن لغة أخرى لمخاطبة الأشياء والمشاعر الحميمة في النفس الإنسانية , ظللت مشدوهاً أستمع لأنين الناي , وكأنه كان يدعوني إلى سفر معه خلف أقاليم الحمأ المسنون , كانت عنقي باستمرار تلتفت إلى حيث أنين الناي يذوب خلف "عقبة سطية", وحتماً كان شيء مني مسافراً معه .

    كانت سهول الصويري تحكي ,وكنت أحس أنها تشبهني , وكنت آنس بها, وأحب أن آوي إليها , وكأنها أنثى من لحم ودم , وأدركت فيما بعد أن هذه الأرض كانت هي كل النساء اللواتي أحببتهن في رحلة الجسد وناسوته بين تقلبات وهجرة النسوغ في التكوين والارتقاء .

    كان "المسيل" الذي تجري فيه مياه "العين" هو أعرض نهر شاهدته في حياتي , مع أنه كان لايربو على ساقية صغيرة , كانت "النجمة " تهب الماء لـ"عين الصويري" , وكانت النجمة" مملوءة بالأسرار , من أين يأتي ماؤها؟ ومايعني هذا الصدى الذي كنا نسمعه فيها حين نتجرأ على مد رؤوسنا من طاقتها الضيقة ؟!! كنت أسمع من عجائز القرية وهن يتبادلن المعلومات مع أمي : أن" النجمة" مسكونة بالجن , وكل ليلة خميس على جمعة يقيم الجن عرسا يستمر إلى صلاة الفجر حيث يتفرقون حين يسمعون الأذان في القرية . الجن يختفون حين تنطق بالبسملة , هكذا تقول أمي وخالتي أسما ورابعة و"شما وهندومي" وستي حليمة . وهذه معلومات مجربة لا يرقى إليها الشك,  وقد رأين جناً وأطلقن عليه البسملة فاختفى , رحمهن الله جميعاً فقد كن طيبات ويصدقن ما يسمعن , بل ويرين الجن أيضاً هكذا كانت الأخيلة تتجسد لتصبح مادة ملموسة, تقول أمي : إن عابراً مرّ على فرس ليلاً بجانب "المحفارة" المملوءة بالجن رأى امرأة على طريقه , واستجارت به ليردفها خلفه إلى "حمّارة" وحين ركبت خلفه على فرسه بدأت رجلاها تطولان حتى لامستا الأرض ,  وقتها ارتعب الفارس وصرخ ثم أطلق عليها البسملة فاختفت .

    وكان هذا ينمو في ذهن الفتى الصغير حتى امتلأ بهذه القصص العجيبة , وهكذا كانت أمي الجامعة الأولى التي تخرجت منها والتي علمتني صنع الأخيلة التي تحولت فيما بعد إلى شعر .

    كان "المسيل" كأنه ينبع من ضلوعي ويصبّ فيها  لكثرة ما سقسقتُ في حصاه قدميَّ , ولكثرة ما جمعت عن ضفتيه العملاقتين "قرة وجرجيرة" , وكان يمرّ في "المحاور" التي كانت يومها غابة كبيرة , وكانت مملوءة بالزرازير , ولن أنسى يوم كنا نذهب وراء إبراهيم الصميلي زوج عمتي يزدة , ومعه "الجفت" ليصطاد الزرازير قبل بزوغ الشمس ونهوض الزرازير من نومها, لم يكن زوج عمتي بحاجة إلى "سلاقي" فنحن كنا أمهر من السلاقي في معرفة أماكن الزرازير المتساقطة عن الأشجار وجلبها إليه بمهارة وفرح شديدين , ولأنه كان يحفظ قصة عنترة عن ظهر قلب فقد كان يناديني : أركض يا شيبوب , وكنت أرتاح جداً لهذه الرحلة في أعماق المحاور وسماع صليل الحصى في المسيل . وكان المسيل لايستطيع أن يصل إلى أبعد من بستان" بيت زيتون" . لم يكن طول المسيل يتجاوز الكيلومترين , ومع ذلك فقد كان أطول الأنهار التي شاهدتها في حياتي آنذاك , النجمة والعين والمحاور والمسيل كانت الخرائط الأولى للسماء الأولى .

    كنت أحمل روحاً جمعية , بمقدار ميلي إلى العزلة , كنت أصر على العزلة لأرى الناس أكثر , وهذا مايفسر ميلي للمدينة في النهاية باعتبارها حالة معرفية , وحالة تلد الجديد باستمرار, أنا الآن أحاول تفسير الطفل الذي كنتـُه يوماً ما , لم أكن أدرك حقيقة ما أريد , ولكن الشعور هو المقدمة الأولى للفكر. والمعرفة كما أرى، كامنة في الكائن تساعده الثقافة على صقلها . والذي يفد للذات من الخارج لايدخلها إن لم تكن مهيأة لدخوله . كنت أحس أن بداخلي شعاعاً لاينطفئ أبداً . وكان هذا الشعاع يُعرِّيني باستمرار فقد كانت ذاتي تتضح في كل ما أقوله وأمارسه , ولم تكن أدغالي الداخلية غير مضاءة, ولم يكن ظلامها أقل ألفة من ضيائها, أحياناً كنت أرى الظلام أكثر وضوحاً حيث كنت أغلق كل المنافذ لأرى ذاتي أكثر , أما الضوء فقد كان حاداً كالنصل الغائر في المطلق الجواني الذي مداه أرحب من الكون كله .

كان ينام معظم الليل على الحصير,

حتى يصير جنبه من التجاعيد حصيراً ثانياً.

وكان في الليل كثيراً ما يُرى

مفتشاً عن "قمر الزمان"

في قرارة الغدير

وإن تحدّتْ نجمة ٌ بريق عينيه على الغدير

مدّ لها لسانهُ

كأنها جارته ذات الوشاح الأزرق الحرير.

وفي النهار كانت الحقول

تجعله اميرها,

فيسأل النسمة عن مسيرها ,

ويسأل الغيمة عن مطيرها,

ويسأل الزهرة عن عبيرها ,

كان بلا أجنحةٍ

لكنه يطير.

كانت صغار الطير في أعشاشها

تغريه أن يصطادها

وكان ذاك أول الذنوب,

ثم استحال قلبه مدينة ً مقدسة ْ

حُرِّم فيها الصيد والطغاة ْ.

    كانت بيوت القرية كلها في فترة الخمسينيات مبنية من حجارة , وطين يمسك حجارتها غير المنسجمة , وإن أنسَ لا أنسَ رائحة الطين في السطوح أيام المطر وأصوات "المواعيس" المشتبكة مع المحادل فوق تلك السطوح التي كانت تؤرخ الزمان الداخلي فينا وتترك الزمن الخارجي يلهث لاكتناه لهفة لاتموت , كان الشباب يحدلون السطوح تحت المطر وهم يتحادثون من سطح لسطح , وهم يتحدون البرد بثياب لاتلبس إلا صيفاً , وكانت زواريب القرية ضيقة جداً , والبيوت كانت متلاصقة وكأنها سقف لبيت واحد, ولذلك كان أكثر من بيت يحدل بمحدلة واحدة في الشتاء . ولوحول الشتاء في الصويري رائحة خاصة, لعلها تفسر علاقة الفتى بطينها , أو علاقة المكان بالزمان, كنت في الأسر وأنا بعيد عن الصويري آلاف الأميال أستطيع أن أستحضر تلك الرائحة التي لم يخلعها جلدي أبداً, وقد ظلت على ثيابي القديمة التي ذهبت بها والتي تركتها في بيروت ايضاً . الثياب القديمة تحمل حزنك الدهري , وتدعوك إلى البكاء أحياناً كثيرة .  

وكان رغم حزنه في موسم المطرْ

تعرفه كل القناديل التي

 تشعلها القرية في الشتاء.

وحوْل ذاك الموقد القديم

كان يذرُّ كل ما في قلبه الحزين من شررْ

كان إذا ما قهقهت غمامة ٌ

يجلس تحت ثديها ليرضع المطرْ

ألليل, والقرية, والشتاء

كانت تغذي روحه بأجمل الصورْ

للطين في قريته رائحة لذيذة ٌ

تجمع بين شهوة الأرض وبين لهفة السماء. 

    كانت أماسيّ القرية في الشتاء تعني الحلول في وجد صوفي غامر لا يوصف, كنا نتحلق حول " الموقدة " ونتزاحم على " القرون" حيث الجلوس فيها أفضل من الجلوس أمام الموقدة , هكذا كنا نعتقد .  كنت أتدفأ من الأمام ويبقى ظهري معرضاً للبرد  , كانت أماسيّ القرية مواعيد مع الصفاء الروحي , وبداية للاتصال بالماضي السحيق والبطولات التي تفوح من عالم الفقر والطين والتمرّد,  وكانت قطع السنديان والبلوط والملـّول تتحول إلى جمر تفوح منه رائحة تنفذ إلى الصدر بلذة ونشوة , وتستحضر رائحة الجبل بجذوع أشجاره الباسقة , حتى لكأننا في الجبل أو لكأن الجبل معنا أمام الموقد , وكنت أشعر بنشوة غامرة , وأنا أراقب قطع الحطب وهي "تفرقع" في الموقدة , ويلذ لي صمت عميق حتى لكأني في حضرة وحي يوحي إليّ أجمل القصص ويسمعني عزف الرياح حتى لكأنها تعزف علىعروقي وأوردتي , لاعلى الشجر الدهري المنتصب في الأودية والجبال , الليل والقرية والشتاء كانت الثالوث المقدس عند الفتى الموحِّد ,    لا أزال أذكر قصص حمزة البهلوان وسيرة عنتر بن شداد وتغريبة بني هلال والريادة المصرية وقصص ألف ليلة وليلة والملك سيف وهي تروى بحماسة توازي زئير العواصف في الخارج .

    كل هذه القصص شربتها شرباً من فم قاسم الصميلي وابراهيم الصميلي زوج عمتي يزدة وابراهيم بلعيس وغيرهم , لكن قاسم الصميلي كان الأول في أدائه القصصي والاستحواذ على مشاعر مستمعيه . كان إذا تضايق عنتر في معركة أو إذا وقع في الأسر غدا قاسم الصميلي هو المتضايق أوهو الأسير , كان ينفعل جداً وينحاز لعنتر وياما لقي خصوم عنتر من سخرية قاسم الصميلي , ويا ما سقطت عليهم لعناته كالسوط اللاذع , كانت شخصية عمارة بن زياد الذي ينافسه على حب عبلة ممسوخة تماما ليس فيها من الفضائل شيء , وكذلك أخوه الربيع بن زياد الذي كان يكيد لعنتر كيداً , وكل مرة ينجو عنتر من مكائد الربيع بن زياد بسبب شهامته وبسبب إيثاره وشجاعته ونبله وكأن القدر الجميل وحسن الطالع مرتبط بكرم الأخلاق , وهكذا نشأ عندي يقين أن الفضيلة سلاح من تخلـَّق بها نجا من مكائد الدهر ونوائبه , إن القدرة الأزلية تكون دائما في خدمة أصحاب المآثر وأصحاب القضايا الكبرى , إنهم ينتصرون في النهاية , ولم يكن عنتر يملك الشجاعة وحدها , بل كان كريماً ويغيث الملهوف , وكان سيفه لايشحذ إلاّ على أعداء القيم الخالدة, وكان يغشى الوغى ويعف عند المغنم , وكانت "عبس" كلها تحبه, ولايكرهه إلا الساقطون:

       

      وأغض طرفي إن بدت لي جارتي

حتـى يـواري جـارتي مـأواها

 

    وكان أحياناً يتضايق من قومه , فيصرخ بلوعة وأسى:

        ينـادونني في السلـم يا ابـن زبيبةٍ

                وعند اصطدام الخيل يا ابن الأطايبِ

 

    كنت أحاول أن أقلد عنتر في نبله لكي أتخلص من الشدائد , واكتشفت فيما بعد أن هذه العقيدة ليست خطأ , رغم تكلفتها العالية في هذا الزمن الرديء , يومها كانت تنبت لي أجنحة حين ينتصر عنتر ويحسم الموقف , وحين تشتد مؤامرات الربيع بن زياد كنا نصرخ مع قاسم الصميلي " الله يحرق ضلاعو" وكان قاسم الصميلي يعبّر بقسمات وجهه المميزة عن المواقف الصعبة التي يتعرض لها عنتر وأحياناً يتراقص شارباه من هول الموقف وشدة حماسته لعنتر , وكنت أتصور عنتر ممتطياً الأبجر , وهو يعترض الأعداء ويطلب البراز , ولا أزال أذكر قول قاسم الصميلي عندما قتل عنتر العبد زنجير " فضربه عنتر على راسه فشقه حتى دكة لباسه" , هذا هو عنتر بن شداد حية بطن الواد وقادح النار من غير زناد , وكم كانت تنفرج أسارير قاسم الصميلي حين يعود عنتر من عند الملك النعمان ومعه " النوق الصافير" مهراً لعبلة بنت مالك , وهو ينشد:      

         ويوم وصولي الحي  تبكي حواسدي

                   كما ضحكت يومـاً وشيبوبُ ينعاني

 

    استعملت فعل "يعود" لأن القصة كانت تتكرر على مسامعنا باستمرار وكأنها تحدث لأول مرة , فيما بعد وفي خربة كفرقوق حصلت على نسخة من سيرة عنتر وصرت في الأماسي أصلح لزوج عمتي يزدة بعض المعلومات العنترية , طبعاً كان لا يرتاح لتدخلاتي الوقحة ولكنه لايستطيع مجادلة الكتاب , لأنه هو الذي أعطاني النسخة وحفظتها عن ظهر قلب , وأعتقد ضمناً أنه كان يسبّ الساعة التي أعارني فيها الكتاب .

    ما أحببت من خصوم عنتر إلا ربيعة بن زيد المكدم وهانئ بن مسعود الشيباني وعمر بن معد كرب الزبيدي , لأنهم تحولوا إلى أصدقاء أوفياء لعنترة , وكذلك أنا .

    فيما بعد بدأت أضيف على قصة عنتر من عندي , وإذا سألني أحد من أين أتيت بهذه المعلومات ولم نسمعها من أحد قبلك ؟ أجبت بخبث وتعالٍ : إنني قرأتها في تاريخ الأصمعي , ولم أكن أعرف من الأصمعي أكثر من اسمه,  وما كنت أدري أن ذلك كان بداية التأليف الأسطوري لشخصية تحلم بنوق عصافير القرن العشرين , وتحلم بتغيير العالم بسيف كنت أبحث عن المادة التي يصنع منها.

    من قصص البطولات في القرية قوّمتُ ما اعوجَّ من سلوكي لاحقاً , عنتر وأبو زيد الهلالي والملك سيف لم ينتصروا بالسيف وحده وإنما عصمتهم الفضيلة عن الوقوع في التهلكة , والعجيب أن ذلك ما حدث معي في رحلة الحياة الغنية بالتجربة والومض الداخلي والخارجي في آن.   

أبجديات المكان والزمان.

1 ـ مدرسة القرية أو " درج عرج"

وكان في الصف يُرى في المقعد الأخير ,

لأنه يخجل من ثيابه الممزقة ْ

كانت عيون الناس لا تكرهه ,

لكنه كان يحسّ أنها تلسعه ,

فيحتمي بالمقعد الأخير ثم يحدج الرداءْ .

وإنْ دعاه مرة ً أستاذه ليقرأ الدرس

أمام الصف كانت دمعة ٌ تسبقه,

وتطلق النار على القضاءْ

كان الجميع يفهمون حزنهُ

ويعلمون أن في أعماقهِ

حقلاً من الأسئلة الخضراء,

فيقرأون حزنه,

ويحفظون وجهه عن غيبْ

    كانت مدرسة الصويري في بداية الخمسينيات أشبه بالـ "كُتـَّاب" أو ما يسمى بالمكتب , لم يكن هناك بناء خاص بالمدرسة , كان هناك ما يشبه الغرفتين في "بيت عمي أيوب" وأعتقد أنه لم يأخذ أجراً عليهما , فقد كان من العيب أن يأخذ الإنسان أجراً لبيت يعطيه للمدرسة أو لشيخ القرية, أوللذين جاؤوا من فلسطين بعد نكبة 1948 ـ وأذكرأن هذه العادة الجميلة استمرت في قريتنا للسبعينيات, أذكر أن أحمد اسماعيل شومان أعطى طابقاً كاملاً من بيته لشيخ القرية , ولم يأخذ منه أجراً أبداً , ولسنوات طويلة  وكذلك أبو ناجي الطحان.

    لاأزال أذكر يوميات " الكُـتـّاب" التي حـُفرتْ في وجداني حفراً , كنا في غرفة واحدة صغاراً وكباراً , وكان بعضنا يكبر الآخر بأكثر من عشر سنوات , ولم تكن هناك مقاعد دراسية , كانت بعض الألواح الخشبية قد جمعت بشكل غير منتظم , وكانت فيها نتوءات ومسامير تأخذ بعضاً من ثيابك أو لحمك إذا جلستَ عليها , وكان الشيخ أبو عبدالله يرعبنا بصوته وبسوطه , فلا نتحرك من أمكنتنا حتى ولو كان المسمار يدمي مقاعدنا وقواعدنا , رحم الله أهلنا فقد كانت وصيتهم جماعية للشيخ " اللحم إلك والعظم إلنا " طبعاً لم يكن أبو عبدالله بحاجة إلى هكذا مبايعة , فقد كان الكرباج في يده يلوح باستمرار ويجد أعذاراً مستمرة للسع أقفيتنا وظهورنا .

    كنا نضطر أحياناً كثيرة لوضع دم الحرادين على أيدينا لكي يخف وقع الألم عليها , هكذا قيل لنا إن دم الحردون يمنع اليد ويحفظها من سياط أبي عبد الله , رحمه الله , كنا إذا رأيناه ذاهباً إلى الصلاة نختبئ لكي لا يرانا , لأنه إذا رآنا سنكون في اليوم التالي على موعد بين أيدينا وبين كرباج شيخنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه , كان حسن قدرية يرصد تحركات الشيخ أثناء ذهابه إلى الصلاة وأثناء إيابه لأن بيت خالتي قدرية كان مقابل الطريق  , فإذا تيقنّا من عدم وجوده خرجنا لنلعب ونمرح ونغني , وكانت لعبة "الكُــلـَل" لعبتنا المفضلة وقتئذ. وأحياناً كان حسن قدرية يخطئ في رصده , ويكون يومه التالي يوماً عبوساً قمطريرا.

    كنا نعتقد أن أبا عبدالله عنده علم الأولين والآخرين , وهذا ما كان يؤكده زوج عمتي خديجة , فقد كان يحب الشيخ حباً جماً , ومرة على عشاء رمضاني  في بيتنا سأل والدي الشيخ عن عدد الأنبياء , فأجاب أبو عبدالله على الفور بلهجة جازمة وحازمة ثلاث مئة وأربعة عشر نبياً , فصعقت من علمه اللدني وتمنيت لوحصلت على بعض ما يعرف , ثم راح يتكلم على الملائكة وأسمائهم وصفاتهم وأجنحتهم التي تغطي المشرق والمغرب , وعن أنياب عزرائيل التي يقبض بها أرواح الموتى , وعن جمال جبرائيل ورضوان وقبح مالك وقسمات وجهه المقدودة من جمر جهنم , ورحت أتساءل في داخلي : إذا كان مالك مقدوداً من جمر جهنم فهل ينطفئ إذا سكبنا عليه الماء؟!!!   ولكن من يجرؤ على تحريك يديه, وهو ذاهب إلى النار!! ومن يتجرأ أن يسأل الشيخ عن هذه الحيلة للخلاص من خازن النار , وإبقاء باب الجحيم مغلقاً لنجاة البشر من عذابها ؟ ثم تذكرت أن فلاناً يستحق أن يذهب إلى النار لأنه ارتكب زنا المحارم وسرق زيت الجامع وسب الخضر الأخضر, ومزج حليب بقرته بالماء , وماتت بقرته بسيل عرم انحدر من وادي العمود , ويوم موته رأوا حنشاً في قبره أسود فاحم , يفح اللهب من فيه  . إذن فلتفتح جهنم أحياناً لمن نكرههم ولتغلق في وجه أحبابنا وأصدقائنا وأولئك الذين لايشبهون " بيت فلان" .

    هذا هو قراري الأخير بالنسبة لجهنم يومها .

    كان أبو عبدالله ينطق بجوامع الكلم والعلم , وأنا في رحلة الكشف الجواني المملوء بالإشراق والخوف من أبي عبد الله أن يقرأ أفكاري ويعاقبني عليها . كنت في لحظات الجذب والحلول , كنت كمن يمزق آخر حجاب عن بصيرته , وفجأة طلب مني أبو عبدالله أن أعدد أسماء الملائكة , وعلى الفور كنت مهيئاً ورحت بصوت عال أقول : جبرائيل ميكائيل عزرائيل إسرافيل رضوان مالك رقيب عتيد أنكر ونكير فصحح لي : منكر ونكير .

    علت وجه أبي عبد الله ابتسامة عريضة على إنجازه العلمي في تثقيفي , وكان ثمن ذلك أن وضع أبي فخذيْ الديك بكاملهما أمام الشيخ الذي راح يلتهم اللحم بشراهة لأنه معلم قديرحتى في التعامل مع لحم الديكة البلدية , وطبعاً كان خبيراً بتوقيت أسئلته, فقد ألقى علي السؤال مع وضع السفرة استعداداً للعشاء , كان والدي يتهلل بشراً لأن ابنه عرف أسماء الملائكة , وراح والدي من بعدها باستمرار يطلب مني أمام الناس أن أذكر أسماء الملائكة لكي يثبت لهم العلم الغزير الذي حازعليه ابنه .

    في المدرسة , الغرفة كنا نردد الكلمات وراء الشيخ بتلحين خاص " درج عرج , يا سوزان قولي عاش بابا ".   ومنذ الشهر الأول حفظنا النشيد الذي كنا نمثله تمثيلاً :

غنمي , غنمي , ما أجملها

في مرقدها تحت الشجرة ْ

سيري , سيري صوب المرعى

وامشي صوب الأرض النضرةْ        

ذئبٌ يعوي في وادينا

أسرعْ , أسرعْ يا راعينا

قرب الذئب الغادر منا

إن لم تدركْنا أوذينا

........

لاتخشي واقتربي عندي          

في المرعى قد هرب الذئبُ

    أذكر إلى الآن بعد أكثر من نصف قرن وجه اسماعيل بلعيس وثيابه وعصاه , وهو يمثـّل دور الراعي , وأنا وحسن قدرية وسعيد ابراهيم زيتون نمثل دور قطيع الغنم الخائف من الذئب. والعجيب أن اسماعيل بلعيس أصبح فيما بعد راعياً.

    وفي درس الرياضة كان أبو عبد الله يدربنا على التمارين السويدية وهو يرتدي قمبازه الطويل, فإذا انحنى مع تمرين الخصر حركت الريح قسماً من قمبازه الطويل فيرتفع عن جسمه حتى تبين بعض ملامح جسده , فألكز حسن قدرية ونختنق بالضحك مخافة أن يرانا أبو عبدالله , ثم نلعب بعدها "طاق طاق طاقية" ويروق لإسماعيل بلعيس أن يضع الطاقية خلفي, وعليَّ أن أحمله على ظهري دورة كاملة لأنني لم أنتبهْ للطاقية الموضوعة خلفي.

    سجَن الشيخ أبو عبدالله  عبدَ الحليم لأنه لم يكن حافظاً درس التاريخ , وكان عبد الحليم يكبرنا بأكثر من اثني عشر عاماً , والسجن كان بمنعه من الذهاب للغداء على فرصة الظهر, ولا أزال أذكر يومها كيف تملكني العجب من قدرة عبد الحليم على الصبر وحده ساعتين في سجنه هذا . كنا نهرب أحياناً من المدرسة عندما يكون الدرس صعباً , وأذكر كيف هربت مرة إلى "خلة القتيل" مع رعاة البقر , لأني لم أحفظ سورة " قل أعوذ برب الفلق" , ولكن أبا عبد الله أرسل في إثري اثنين , واستطعت الاختفاء وعادا بخفيْ حنين , والذي شجعني على الهرب أنني كنت على وشك اللحاق بأهلي إلى خربة كفر قوق , وفي اليوم الثاني لم تستطع خالتي أسما أن تحميني من غضب أبي عبدالله وسوطه الذي يملك تهماً جاهزة ضد جميع الطلاب, هذا إذا كنا نحن طلاباً .  

          "وشبّ الزمان ودال الصبا 

                  وشب الصغار عن المكتبِ"

    وتغيرت خرائط وعي الصبي القديم, ولم يتفاجأ عندما عرف لاحقاً أن الشيخ أبا عبدالله رحمه الله لايجيد كتابة الإملاء العربي .

   وظلّ الصبي وفياً لقراءة "درج عرج", ولصبية المكتب.

التـنـور

 

    كان تنورنا في أول الدار بجانب الطريق العام , ولم يكن فقط تنوراً للخبز, بل كان مدفأة للحارة كلها, كان النساء العجائز يأوين إليه, وكانت "تزحمه أكفُّ المصطلين" والمصطليات, وبعض النسوة من الجيران كنَّ يستغللن تشغيل تنورنا ليجففن غسيلهنّ عليه , وكان تنورنا المرحوم قبل هدمه أشبه بمقر وكالة الأنباء اليوم, منه ومن التنانير الأخرى كانت تتوزع أخبار القرية, أوما سمعت مَثـَلنا المشهور"حَكِي تنـّور" ؟    كانت الأخبار الصادقة والكاذبة تخرج من التنور, تماماً كصحف اليوم التي هي ليست أصدق من تنورنا أبداً. بل لعل تنورنا كان أصدق من صحافة اليوم , أخبار الزواج والحب الخفي, أخبـارالرجال, أخبـار المواسم أخبـارالمحتاجين والميسورين, أخبار فلانـة وفـلان, والغمز مـن بيت فلان, وقهقهات عـالية على فضيحة بيت فلان, وتفسير المنامات بكل أصنافها, ولعل كثيراً من صفقات الزواج كانت تتم على التنور أولاً, وما تبقى ليس أكثر من أداء اجتماعي مطلوب لحفظ ماء الوجه. على التنور كانت تحدَد قيمة المهر "والزهاب" بمـا فيـه مـن مساند وبسـط, وصندوق "الأواعي" المحجر, وعـدد الفـرش الصوفية التي ستكتب باسـم العروس, "والشكـّة" وعدد "الغوازي" التي ستعلق بها, وتكاليف "الإزمنامة" و"كتبة الكتاب" و"المتقدم والمتأخر", وقد تعلو الأصوات رغم حرارة التنور والعلاقات حين يصل الموضوع إلى"المصاري" . تقول أم البنت "الغالي حقو غالي" وتصر أم العريس على تخفيض المهر "لأنو الحالي مش كل هالقد والموسم السني متل مل بتعرفي" وتتدخل أخريات لحسم الموضوع, هذا قبل أن يعلم الرجال أي شيء عن الموضوع, وأحياناً قبل أن يعلم العريس والعروس. فيما بعد تمنيت لوأن مؤتمرات القمم العربية تكون في مستوى تنورنا في اتخاذ القرارات وحسمها.

    كنا نشم رائحة الخبز الطازج , فنركض لنطلب "طلمية" من أمي التي كانت يداها أيضاً خبزاً لي, كانت رائحة الخبزلها مذاق خاص, من رائحة الخبز ينبعث مايشبه الأكل تماماً, والذي تنوره على الدرب عليه أن يكـون ذا صدر رحب, فكـان بعض المارة "بأمليتهم" يطلبون الطلامي, ها صوت المرحوم طراف يرنّ في أذني "يا بنت عمي اعملي لي طلميي سخني, الله يرحم بيِّكْ" وكان المرحوم طراف من أقارب أمي , ولذلك فالكلفة مرفوعة بيننا, حيث كانت والدتي تعطيني الطاسة, وتقول: إذهب إلى معصرة بيت زيتون "وجيب شوية دبس" وكنت أذهب ركضـاً وأعطي الطـاسة للمرحوم سعيد زيتون فيملؤها دبساً من "الخلقيني" ويقول لي مبتسماً "إصحكْ تحرق إيدكْ, حطْ شي تحت الطاسة, وألف صحة عقلبك".

    كانت أمي تقعد في "الجيـّازي" وتفرش "الميزر" على يسارها, وبعد "تقريص" العجين تدعكه بالطحين, وتضع التقريصة على "الطبلية" ثـم ترقـقها بشكل فني حتى تستدير وترق, ثم تلوح الرغيف العجين وبرشاقة تضعه على "الكارة" ثم تنحني وتلصق الرغيف بجدار التنوركما هو معروف, وتتصبب أمي عرقاً حتى لـو كان الثلج ينزل قي الخارج لأن وهج التنور لا يطاق أذا قاربته كثيراً, وحين يبرد التنور قليلاً "تحكش" أمي النار"بالمحواش" ليحمى أكثر , وأحياناً تزيده حطباً إذا اقتضى الأمر.

 كان التنور يأكل لحم الناس ميتين وأحياء لافرق. وفي الليل كان التنور يصبح أحياناً مكاناً للقاء العشاق, ولا يخرج العاشقان إلا وثيابهما مبقعة بالرماد وغبار التنور الذي لايكنس مرة في العمر.

 وللتنور قصص خلابة في قريتنا والقرى الأخرى, وهناك تنانير مشهورة بقصصها, وكثيراً ما كنا نمازح أصحابها, ونقول "تنور بيت فلان".

    حسب التنور أنه بيت النار, وحسبه أننا ننسى القصور, ونظل نذكره دائماً .

 

أعراس القرية

 

    أعراس الصويري في الخمسينيات كانت مهرجانات جميلة لاستعراض الأنوثة والرجولة في آن , إنها اللعبة التي نمارسها جيلاً بعد جيل مذ كانت الحياة, كان الصبايا يرتدين الثياب المزركشة كأرض الصويري في الربيع , كن يتكحلن , وبعضهن كان بهنّ كـَحَلٌ طبيعي تحسبهن قد تكحلن , ولكنك تدرك فيما بعد أنهن اشتركن مع الغزلان في الحـَوَر والغـَيَد , ورغم الفقر فقد كنّ هنّ يزيّنّ الثياب وليس العكس , كن يلبسن المناديل البيضاء كأزهار اللوز , وفوق المنديل "عصبة" أو "شاشيـّة " والميسورات منهنّ كن يضعن "الشكة" في العصبة , والشكة مجموعة من ليرات الذهب أو الغوازي , وكن لايعرفن الكولونيا, ولكن روائحهنّ تشبه روائح الحقول الملوءة بالورود المتنوعة , كن يتحضرن ليوم العرس لأنه معرض يرى فيـه الشاب سرب الصبايا ويختـار عروسه على الغـالب في ذلك اليـوم , وكانت الدبكة الجماعية المختلطة إحدىوسائل الأنثى لاستعراض جمالها ورشاقتها, وكانت الآلات الموسيقية تنحصر في المنجارة والمجوز , وكان المرحوم درويش أمهر عازفي المنجارة في القرية , وكان المرحوم يوسف عامر المعروف بيوسف نايفة أمهر عازفي المجوز في المنطقة كلها . وعلى صدى الشبابة أو المجوِز كانت

أغاني "على دلعونا " و" وعمو عللا لا ولالا "وعالهوارة" تفعل فعلها في الشباب والصبايا , فتهتز الأرض تحت الأقدام التي لاتتعب أبداً , والويل لمن يحاول خربطة الدبكة لسبب ما . وكانت للأيدي المتشابكة في الدبكة أحياناً لغة لاتسمعها إلا قلوب الشباب والصبايا , وفي التشابك مأمن من ملاحظات الآخرين , ولكن الشاب يشتعل غضباً إذا رأى فتاة أحلامه تشبك يدها بيد شاب آخر في الدبكة , لأنه يفهم جيداً لغة الأيدي المتشابكة في الدبكة, وكانت البيادر المكان الأصلح للدبكة , وكانت تـُرَشّ بالماء والعُور لكي لاتثير الغبار ولا تصبح موحلة . أما الشباب فكانوا يلبسون الثياب الجديدة في العرس, وهي مؤلفة من "الشنتيان" الستان , أي الشروال والجاكيت الأسود , وعلى الخصر يحزمون الشنتيان بالزنار حيث يدق الخصر ويضمر مما يزيد الجسم جمالاً وفتوة . وكان الشاب الذي يتقن الدبكة أكثر " يلقط عالأول" وعليه يتوقف نجاح عملية الدبكة كلها إنه أشبه بالقائد, وكانت الأجساد تتصبب عرقاً دون أن تنبعث منها أية رائحة , الدبكة في العرس امتحان صعب والويل لمن يفشل فيه لأنه سيكون أضحوكة في أفواه الصبايا ذوات الأحكام القطعية , ويكون حديث القرية حتى العرس القادم , ولهذا كان الشباب يتدربون على الدبكة في السهرات , وينصتون لتعليمات "المايسترو" المشرف على التدريب , والذي يتخرج من الدورة بنجاح ينزل إلى الدبكة في العرس مختالاً كالطاووس , وأظن أن الصبايا كن يفعلن نفس الشيء حين يكنّ وحدهن في الأماسي , وكان دبيك الأول محط احترام القرية كلها , وفي ذلك أكثر من نقطة لصالحه في امتحان الصبايا السري . وكان صاحب الصوت الجميل يملك رصيداً متقدماً عند أهل القرية , وخاصة في قلوب الصبايا ولذلك كان يتدلل كثيراً حين يطلب منه الغناء , ومنه أُخِذ المثل " بحياتك لاتقول للمغني غنّ " , ولن ننسى الأمهات اللواتي أتين إلى العرس لا للدبكة , وإنما للفت الأنظار لبناتهن إذا اقتضى الأمر, وإذا سألت الأم لماذا لاتدبكين ؟ صرفت السؤال لتوحي إليك النظر لابنتها الـ "الله يحميها ويرد عنها العين" .

    وللأعراس في قريتنا مذاق خاص في تلك الأيام الخوالي , فالعرس مناسبة للانتقال إلى مرحلة الخطبة ومناسبة للتعـارف ومناسبة للعشـق ومناسبة للتنـافس , و"قيـْم المحدلة " , وللأماسيِّ أحاديثها الحميمة عن الصبا والجمال والفتوة, والزغاريد في الأعراس كالتمائم والرقى, حيث تحمي من يـُزغرَد له, ولن أنسى العجينة التي تلصق فوق الباب ليلة الدخلة , وانتظار النساء خلف الباب بانتظار تصاعد الدخان الأحمر , حيث تطوف "الحَمى" بالمنديل المخضب الأرجواني لتري المنتظرات الفضوليات ناقلات الحديث, حيث "لايسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم" . وكان العريس يُسرْق أحياناً في صخب قروي حميم , وكان يرتدي الثياب الجميلة , والحذاء الجديد , وأحياناً تستعار له ثياب جديدة لعريس ميسور الحال سبقه إلى الحياة الزوجية , ثم يركبونه فرساً ويطاف به في أزقة القرية , وكان أهله مساء تحت جنح الدجى يردون الثياب لصاحبها, بكل تواضع .

    لم يكن هناك شهر عسل في القرية , فبعد يوم أو يومين ترى العريس ذاهباً إلى حقله, وأحياناً برفقة زوجته, ويبدآن معاً التنقيب عن الكنز الذي يُرى ولا يُرى .

 

مآتم القرية

 

   الموت هو الوجه  الآخر للميلاد , وصراخ الطفل بجانب المهد هو مقدمة لصراخ الماشين في جنازته باتجاه البرزخ الآخر , حيث تكون الحياة بكل مافيها من أحلام وهموم هي المسافة الممتدة بين الصرختين ," وما عداه قبض الريح ".

    الموت الأول الذي ما زالت آثاره في أعماقي هو موت يوسف ابن عمي أحمد الذي شنق نفسه , وهو في ريعان الشباب , لا أزال إلى الآن أتذكر المشهد , كان الوقت بعد صلاة المغرب , وكانت الغرفة مظلمة , وكانت أمه زينب طعان تلطم وتصرخ وتضع " الشحار" على وجهها كانت مرعبة حقاً , وكانت ثكلى أكثر من الخنساء , كان يوسف لايزال متدلياً من حبل المشنقة , وعنقه كالجذع المكسور , لم استطع تحمل المشهد , وقعت على الأرض وبدأت أتقيأ, وحالة التقيؤ تلازمني في حالات التوتر العصبي الشديد من يومها , وأصبت بمغص شديد , وحملتني أمي إلى البيت وأنا في حالة تشبه حالة زينب طعان , وأذكر أني لأكثر من شهر لم يزرني النوم إلا لماماً , كانت الكوابيس والأحلام المرعبة " تقعقع لي بالشنان" فأجفل كغرائب الإبل, وينتابني ذعر لا أستطيع نقله إلى الكلمات , كنت أرى عندما أغفو لدقائق في نومي قبوراً يتصاعد منها دخان عميق , وأحياناً جماجم تخرج منها ثعابين سوداء, وأرى نساء متشحات بالسواد وكلهن زينب طعان , وكنت أرى عبيدا غلاظاً شداداً , لايعصون الموت ما أمرهم به , لهم أنياب طويلة , وسحنهم , يوحى إليّ أنها سحن أهل جهنم , وكنت أصرخ في نومي وأتشبث بظهر والدي ليجيرني من زبانية النار المستعرة , وتهرع أمي إلى "طاسة الرعبة" وتتلو فوقها تعاويذ غير مكتملة لأن أمي تجيد قراءة لغة  الجن وطلاسم المردة , كانت طاسة الرعبة تهدئني قليلاً لأني كنت أؤمن بها إيماناً راسخاً, وكنت أؤمن أن طلاسمها المحفورة عليها تحوي علوم الأولين والآخرين , الموت في القرية يومها كان مرعباً, لأنه كان نادراً, ولأنه مرتبط بعذاب القبر , ولأنه سفر لا أوبة منه , وكنت أتساءل في خلدي هل الموتى يزور بعضهم بعضاً؟ وهل يتصالح هناك الذين اختلفوا على حطام الدنيا  وكان أهل القرية يتناقلون أخبار القبوروما يجري فيها في الليالي الثلاث الأولى حيث يأتي

" منكر ونكير " ويوقظان الميت من موته , وتبدأ الأسئلة : من ربك, ومن نبيك وما هو دينك ,وما كتابك ,؟والويل لمن لايجيب جواباً صحيحاً,حيث ستمزق جلده السياط الغليظة , وتنغرز في جسمه الأنياب الحادة , وإذا كان الميت سيئاً بأعماله فسيجد إلى جواره حنشاً أسود ,له أنياب يقطر منها السم ,وتشرقط عيناه بالنار ,ويروي أهل القرية أن بعضهم رأى ناراً ودخاناً تتصاعد من قبر فلان بن فلان لأنه سرق زيتاً من مسرجة النبي زريق أو الخضر الأخضر ,أو لأنه شتم أحد الأولياء الصالحين , كان الموت في القرية درساً حقيقياً للوعظ وخلع المعاصي , كنا بعد كل موت نستقيم لفترة , ثم ننزلق رويداً رويدا , إلى أن فقد الموت حكمته فينا وصار عادياً كالحياة نفسها .

النساء في المآتم يبدو حزنهنّ حاداً حيث يتشحن بالسواد ويبكين الميت بألحان قروية لا يزال معظمها محفوراً في صدري :

  صباح الخير يا عيني

  صباحكْ من صباحيْن ِ

كان الموت أعمق كتاب قرأته في حياتي , كنت أنتحي في الجنائز ولا زلت , وأراقب النساء وأستمع لندبهن الذي يفجر أعمق ما في النفس البشرية من مشاعر,كنت أفرغ حزني في شدوهنّ , وأردد مراثيهنّ وأنا في عزلتي , وتعنُّ لي ذكرى بكاء يريحني ويفرغ ما فيّ من قلق , وحين كبرت فهمت ذلك في قول ابن الرومي " بكاؤكما يشفي وإن كان لايجدي " وتفهمت الحقيقة التي عنتها الخنساء بقولها

ولولا كثرة الباكين حولي

   على إخوانهم لقتلت نفسي

لاتستغرب إذا قلت لك الآن أني وجدت شيئاً جميلاً  يكمن في ذلك الشدو الحزين . كان البكاء ذا مفعول سحري في تفريغ النفس من الأسى ,إنه دواءٌ صيدليتـُه في داخل الإنسان

كان النساء يزرعن الورود حول قبورالموتى , ولك أن تدرك أن القبور الجميلة المحاطة بالورود وذات الحُجَر هي للأغنياء , وكأن الفقر يلاحق الفقير بقبره الدارس ,كان هناك قبور فقيرة وقبور غنية , على الرغم من أن ساكنيها يتساوون في مملكة الموتى , الفقير لم يدخل قبره بلا كفن, والغني لم يأخذ معه أكثر من كفن , كانت القبوربزخرفها لاتعني الموتى في شيء , بل كانت إحدى وسائل التباهي يمارسها الأحياء حتى عبر الموتى العائدين إلى رحم الأرض , أمهم الأزلية .

وكذلك كان شأن الجنائز ,فليس للموتى علاقة بما يقيمه الأحياء من مراسم جنائزية , الجنازة تعني الأحياء لا الموتى , كان أهل الفقيد يرصدون الذين يأتون للتعزية , ويعتبون على فلان إذا لم يأت معزياً , ويفخرون أن فلاناً جاء معزياً, كانت الجنائز الوجه الآخر للأفراح في هذا الكوكب المنطفئ .

كنا في أعيادنا نزور المقابر , وكان الميسورون يوزعون الزلابية عن أرواح موتاهم ,ويا لرائحة الزلابية الموزعة حول القبور , كنا نفرح بالذهاب إلى القبور ونحن صغارلأننا سنأكل الزلابية , كانت الزلابية والقبور بداية الأعياد في قريتنا, كنا ننتقل من قبر لقبر لننال قطعاً أكثر , وكنا نتجنب قبور الفقراء لأنها لازلابية لها . كان الفقر يلاحق الموتى إلى قبورهم .

كان الميسورون "يطرشون" القبوربالطرش الأبيض الذي يشبه الكلس في بياضه ,ولكن بياض القبور كان مرعباً ,ليس للألوان دلالة واحدة , بياض القبور يذكرك الموتى أكثر من القبور الدوارس التي ترهقها قترة , حتى الريحان النابت حول القبورلايذكرك بالخمائل , بل يذكرك بالموت , حتى لكأن رائحة الموت تتصاعد من الآس المحيط بالقبور الميسورة .

كنت ولا أزال حتى الآن أخاف من رؤية قاع القبر حين يمددون الميت فيه ,كنت إذا وصلنا للمقبرة أجلس بعيداً , وأتجنب رؤية حفاري القبور , كنت أتصور ظلموت القبر ويقظة الميت فيه فأصاب بهلع شديد , إلى الآن لم أستطع التخلص من هذا الرعب . وكنت في لحظات الذهول الجنائزي أتخيل نفسي ممدداً في القبروحدي وقد ذهب الناس جميعاًوجاءني الملكان ليسألاني الأسئلة التي نسمعها من ملقن الميت دائماً ,كنت لا أستطيع تحمل هكذا تصور , ولكنه حتمي ولا مفر منه , فأستعين على تبديد رعبي بالأجوبة التي يجب أن أرد بها على منكر ونكير ليتسع قبري قليلاً " الله ربي , والإسلام ديني ,والقرآن كتابي , ومحمد نبيّي ," والويل لي إذا تلعثمت أو نسيت شيئاً من هذه المقولة . كنت لاأستطيع تصور نفسي ممدداً في قبر, ولذا كنت أتمنى أن لاأدفن في القبر وبخاصة في مقبرة قريتنا المرعبة , كنت أتمنى أن أترك في الأيام الثلاثة الأولى على وجه الأرض لأنجو من رعب الملكين على الأقل .وكم راودتني فكرة أن أوصي بذلك حين تحين وفاتي ,ومما زاد من رعبي في ذلك العصر البعيد أن والدي روى أمامي حادثة ً لجلسائه أوقفت شعر رأسي , وملخص القصة أن رجلآً أغمي عليه فظنه أهل القرية ميتاً فدفنوه , ثم أفاق في قبره وبدأ يصرخ , وسمعه بعض المارة من خلال بعض الشقوق في القبر ,فكشف القبر وأخرجه , وإذا برأسه قد اشتعل شيباً. يومها كانت هذه القصة أكبر من قدرتي على التحمل. سامح الله والدي لم يكن يدرك مافي أعماق طفله من اهتزازات وأدغال موحشة وقلق حاد .               

كنت أرتاح جداً , وأناأنصت للنساء المعولات على القبور, كنت أحس صدق لوعتهن فأشاركهنّ البكاء مفرغاً كل ما في نفسي من مطر الحزن . كانت المرأة تخاطب صاحب القبربشجىً ولوعة , وكأن الفقيد أمامها . من هنا كان شعر الرثاء أقرب الشعر إلى وجداني فيما بعد , واستطعت أن أفهم قول ذلك البدوي أكثر عندما سئل : لمَ مراثيكم أجمل شعركم ؟ فأجاب :" لأننا نقولها وقلوبنا محترقة " كان كل موت في القرية يذكرنابحكمته الأزلية ,ويوقظ وقارالعلاقة مع الله ,ويجعل حزن القرية شمولياً حتى لكأن الموت في كل بيت ,وفيما بعد قرأت ذلك في شعر متمم بن نويرة وهو يرثي أخاه مالكاً :  

 

وقالوا : أتبكي كل قبرٍ رأيتَه

                         لقبرٍ ثوى بين اللوى فالدكادكِ

فقلتُ لهم : إن الأسى يبعث الأسى

                            دعوني فهذا كله قبر مالكِ 

سهرات القرية:

سهرات القرية تشبه الحلقات الصوفية ,إنها إيغال في العمق الجـُوّاني من النفس البشرية ,ورحلة إلى تلك الغابات المجهولة العذراء في النفس الإنسانية المملوءة بالأسرار ومحاولة حميمة لملامسة الرعشة المتولدة من السيرفي مناطق الأسرار,ومعانقة الضوء المتولد منها بل والاحتفاظ بلذة الكشف والجذب في آن ,كنا ونحن أطفال صغار ننتظرتلك السهرات كما ينتظر العاشق معشوقته ,وكما ينتظر الصوفيُّ شيخه ليذوب فيه ,ويعاني حالة الجذب اللذيذة ,كانت سهرات القرية في الشتاء غذاءنا الروحي, منها شربناالمعرفة الدافئة التي لاتتقنها بطون الكتب , أو لأننا كنا في الصف الأول في مدرسة الحلم ,أعني العلم الممزوج بالحب وليس العلم الآتي من عصاالمرحوم الشيخ "أبي عبد الله" كانت سهرات القرية المدرسة التي نذهب إليها بكل حواسنا وأشواقنا ,بينما المدرسة الأخرى كنا نمتلئ بالرعب حين نشم رائحة الشيخ فيها .أنا شخصياً أعترف وبكل صدق أنني لاأزال إلى الآن ممتلئاً بتلك النشوة التي كانت تنتابني في تلك السهرات , ولا أزال متأثراً بتلك القيم التي لـُقـِّنـْتـُهافي مدرسة المدرسات , أعني سهرات الليالي الشتائية الطويلة في البيوت الطينية وتحت القناديل الذابلة في الصويري ,لم يكن هناك صالون بالمعنى الحديث ,ولم يكن هناك كنبيات ,ولم يكن هناك قهوة , ماعدا القهوة المرة في بعض البيوت الميسورة كبيت عبد العزيز زيتون على ما أذكر, والتي كانت رمزأً للوجاهة ويسر الحال .كنا نشرب الشاي في بعض الحالات ,ويُقدَّم لنا النقل المعروف "الزبيب والقضامي" والتين اليابس ,وإذا طالت السهرة شربنا الدبس صرفاً,فنمتلئ دفئاً ونتصبب عرقاً رغم هطول الثلج في الخارج ,وكان الفرش من الحُصْرالتي تشتهر الصويري بصنعها ,وإذا كان هناك ضيوف أجلاّء فرشت لهم الدواشك والطراريح , ووضعت عليها المخدات المحشوّة بالروَيْشة, ونادراً بالصوف أو القطن ,وكانت بعض البيوت الميسورة تضع البسط بدل الحصر, وهذا كان قمة ما يفرش في البيوت الميسورة ,وكانت "الموقدة" كالمعبد في قدسيته والتفافناحوله ,ولا أزال أشعر بصوفية عميقة متجددة في تلك الأبيات للشاعر المهجري رشيد أيوب ,والتي ترجعني إلى تلك الليالي المملوءة بالحلم كلما رددتها الآن:

   يا ثلجُ قد هيجتَ أشجاني  ذكّرتني أهلي بـلبــنان ِ

   بالله قل عني لجيراني     مازال يرعى حرمة العهدِ  

                   ****

   يا ثلج قد ذكّرتني الموقدْ   أيام كنا حوله نرقــدْ 

   نأوي إليه كأنه المسجدْ    وكأننا النسّاكُ في الزهدِ

كنت أردد هذه الأبيات الدافئة في الأسر في ليالي رينا المتجمدة ,فأحس بدمعة ساخنة تصل بين جفنيَّ وفمي.

كان الوجهاء في السهرة يجلسون في القراني, وكنت أشعر بلذة غامرة وأناأراقب قطع الحطب متجمرةً في الموقدة , يتصاعد منها اللهب ,وكأنه امتداد لذلك اللهب القدسي المتصاعد من أعماق ذلك القروي الذي يتقن الحلول في ذرات الكون ويتقن العشق الحاد في طفولته المبكرة المملوءة بالأسرار, كانت الموقدة تهبنا الدفء من الأمام,بينما تظل ظهورنا باردة ,وهكذا يكون نصفنا دافئاَ ونصفنا الآخر بارداً,ومع ذلك فدفء الحكايا يهب دفئاً أكثر من الموقدة ,وأروع السهرات في ليالي الشتاء الطويلة,حيث الفلاح يكون في إجازة طويلة بعد موسم العفير,لأن قريتنا في ذلك العصر الزراعي كانت تعتمد على زراعة الحبوب فقط,والعفير يكون في تشرين لأن الموسم يكون أفضل, وقلما كنا نزرع على الري ,أي بعد هطول المطر, أما الحبوب الأخرى كالحمص مثلاً فقد كنانزرعها في الربيع ,ولذلك كانت السهرات تطول والليل يطول مترنّحاً في السهرات الكانونية التي تمتد حتى ساعات الليل الأخيرة ,كانت الحكايا تزداد جمالاً كلما دخل ساهرٌ جديد وراح يحكي عن شآبيب المياه المتدفقة من ضروع الغيوم الثقال,وثيابه تقطر مطراً أو مغطاة بفروة من الثلج  وكنا ننصت لزخات المطر وكأنها أجمل ما في أماسينا من أغاني وعزف رباب ,كانت الأمطار الغزيرة بشارة خصب الموسم القادم ,وكنا كلما ازداد هطول المطر نتصور البيادر العالية كالقباب الذهبية ,وخصب الموسم يعني الثياب الجديدة,ويعني الأعراس,ويعني وفاء الديون وامتلاء البطون .

حكايات  الليالي الشتائية في الصويري كانت حكايات الصراع بين البطولة والجبن ,بينالمروءة والخيانة ,بين التضحية والأنانية,كنت منحازاً كسائرالساهرين للبطولة والمروءة ,وهذا رماني فيما بعد في صعوبة الانتماء السياسي ,حيث تملكني شعور حاد منذ ذلك الزمن المبكربركوب الحالات الصعبة ,كان الانتماء الصعب دائماً يشدني إليه مؤمنا به ومضحياً في سبيله ,ومن أجل هذا الإيمان دفعت الثمن من سنوات عمري ,بل وأغلى سنوات في هذا العمر الأرضي المحدود .كانت هذه الحكايا كتبي الأولى ,وزيادة في جشع المعرفة رحت استعيرقصة عنتر من زوج عمتي يزدة إبراهيم الصميلي, وأشرب ما فيها من معرفة متحيزاً لكل ما فيها من شوامخ وحافظاً لها في صدر ذلك الفتى القديم الممتلئ بالقيم العليا. كنا حين يبدأ الراوي بسرد قصة من كتاب عنترة ننصت ونسمع بكل جوارحنا حتى لكأننا في المسجد , والويل لمن يعكر مزاج الراوي ,وفي أماسيّ أخرى يكون"العتابا والميجانا"مادة السهرة ,وفي قريتنا شباب ذوو أصوات جميلة وخلابة,وذو الصوت الجميل كان صاحب رصيد عالٍ في قلوب أهل القرية ,وبخاصة في قلوب الصبايااللواتي يبحثن عن نصفهنّ الآخر .ومن عتابا القرية لاتزال في صدري أبيات حملتها معي في غربتي العجيبة:ومن بقايا البقايا:

 

                 ******

       بعد ما كنت خيالاً على عود

                    عجزت وصرت أتركّا على عود

       يارب البيت من فضلك على عود

                     الزمـــان يعود يـجمعنا سوا

                 

                       ******

وكما يقول المثل "جيب ليل وخوذ عتابا"

وكما تلاحظ صديقي القارئ كانت أغانينا الريفية صورة عن حياتنا المترعة بالفقر والحب والمُثـُل,كانت أغانيَ بكـّاءة نتيجة الحرمان والفقر الذي يجبر الفتى في مقتبل عمره إما على الهجرة إلى البرازيل,أو إلىبيروت أوجبل لبنان حيث يكون العمل متوفراً أحياناً,أما الهجرة إلى البرازيل فقد كانت متلازمة مع الدموع وتلويح المناديل وذهاب أقارب المهاجر معه إلى بيروت ,وعلى صخرة المينا في بيروت تذرف الدموع الغزيرة وتلوح المناديل حتى تغيب السفيتة في عرض البحر .ويصدح صوت مودعاً:

   حبابي :عام جافوا وعام لينوا

                       حبابي للوفا هـنْ عامـلينو

 

   مواج البحر ياللي عاملي نـَوْ

                       عمهلِكْ في لِنا خلفِكْ حباب

غناؤنا القروي كان التأريخ الحقيقي لأحوالنا بكل ما فيها من فقر وأحلام ونزعة للتحرر من قشرة العادة المرتبطة بتكرار الليل والنهار .كان الغناء القروي تعبيراً صادقاً عن أوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والروحية . ولذلك لن تفهم مجتمعاً إلا إذا سمعت أدبه الشعبي وغصت في مراميه.  

كان الغناء الحزين في أماسيّ القرية يثير فيّ أعمق المشاعر فأغوص أكثر في ذلك العالم الجوّاني ,وأحس أني أرى ما لايراه الآخرون,لقد كانت سهرات الصويري في ذلك الزمن البعيد مطهراً للأرواح الملوثة , مخطئ من يظن أن القرية ذات وتر واحد إذا كان المنهمك بها ممتلئاًبتلك النار الخالدة,فإذا انطفأت تلك النار صارت القرية مملة ومغلقة , إنها ضرورية كالمدرسة في مرحلة عذرية المشاعر وهي تتفتح وتبرعم شجرة العمر .إن فيها قابلية الإضافة والإلغاء   

لم يكن هناك حاجة للدعوة والعزيمة حتى نلتقي في السهرات ,يكفي أن ترى بصيصاً من ضوء قنديل ليدعوك هذا البصيص لإكمال السهرة .

كان ذلك الصبي العجيب يتتبع أخبار عنتر وأبي زيد الهلالي وذياب بن غانم وسيف بن ذي يزن ,حتى لكأنه مسكون بهم ,كان يحزن حين تمر بهم أزمات صعبة ,  ويفرح حين ينتصرون ,وكأنه هو المنتصر ,ولـَكَمْ كره أعداءهم وأحب أصدقاءهم , واكتشف فيما بعد أنه كان مشدودأ للقيم الكبرى التي سكبتها الطبيعة في ضلوع هؤلاء الأبطال 

السهرات الريفية تقصر في مواسم العمل,لأن الناس يتعبون وينامون باكراً,ولذلك يتسامرون على المصاطب ,ثم يتثاءبون ويذهبون للنوم ,وأجسادهم على موعد مع المناجل والمعاول والمحاريث .

 

حكايا القرية وبعض معالمها الباقية من الزمن السحيق:

حكايا القرية مستقاة من واقع القرية الاقتصادي ,والتراث المتحدر من الماضي بكل تفاصيله ,إنها تضمر إحياء الأحلام المقتولة,وتنبش ما غاص في أعماق النفس البشرية من أمان ٍ لا يتسع الواقع لتجسيدها ,إنهاشوق التسامي على ما هو كائن ,والأسطورة حنين العقل البشري إلى طفولته ,وتجسيد ما نفاه الواقع ,وبهذا تكون الأسطورة حافزاً قوياً لبطولات الأفراد والأمم ,والأساطير هي مادة الملاحم الأولى ,تلك الملاحم التي ترى فيهاالأمم نفسها فيما تحلم أن تكونه لا فيما هي كائنة فيه ,ولذلك جاءت الأساطير محملة بكل الهواجس العميقة التي تحض النفس البشرية على الكينونة الأسمى ,وتمحض زبدة الشر لتحويله إلى معارج باتجاه الناسوت الذي يحاول الدخول في شركة مع الموجود الأسمى في صنع مصائر الأفراد والأمم .

من هنا كانت الأساطير والحكايا في الصويري مرايا وليست أجساداً , بمعنى أنها عاكسة قبل كل شيء ,إنها نسيج الخيال الشعبي الفقير الحالم بالجواهر واليواقيت العذارى ,كانت عنابر مملوءة بالقمح والزيت والزبيب وكل مالذ وطاب ,وكانت قصص الحب الكبرى المملوءة بالصخب الداخلي العالي ,وكانت مملوءة بالأبطال أنصاف الآلهة القادرين على زحزحة الجبال وتغيير أماكنها ,واختراق السبع الطباق والوصول إلى جبال واق الواق .

                  *******

 

 

"عين المنتني"

 

كان لنا كرم في منطقة "عين المنتني" وفيه نبعة ماء مياهها أصفى من عين الديك ,ولا أدري لماذا سُمِّيتْ "عين المنتني" لاتعتكر مياهها إلافي مراحلها الأولى عندما يتفجر الماء من صدر "البيـّاض" أوائل الربيع , ثم تصفو وترق إلى أن تصبح سلسبيلاً ,وكان حول هذه العين "عـُلـَّيـْقة" كلبدة الليث في أجمته كنت أتصور أنّ فيها مخلوقات غريبة ,وكانت أزرار ورد "الجوري" تتكئ على العليقة غير مبالية بأشواكها وتبعث شذى لاتبلغ تأثيره كل عطور الدنيا ,كانت عطورها عذراء تشبه شيئاً يشق صدرك ويملؤه عطراً دون أن تشعر بأي أذى ,وإذا كان هناك جراح لذيذة فتلك هي الجراح اللذيذة .وكان لنا بجانب عين المنتني تينة دانية القطوف,تينها أسود,فيه حلاوة تمتزج بحموضة خفيفة,وحين تأكل من تينها تشعر أنك تأكل من ثمر الجنان ,وكان في كرمنا عنب أسود لايعدل جمال سواده إلا لذة رحيقه الذي يشبه العسل.

في أوائل الربيع ,والأرض في مهرجان ,وألوان ورودها كفساتين صبايا القرية ,والعصافيرفي أعراسها بعد موت الشتاء,كنت أذهب مع أمي إلى كرمنا في عين المنتني ,وأنصت لخرير الماء المتدفق من النبع المسحور ,وأرى الماء معتكراً موحلاً,فينتابني تساؤل حيث ألقيه على مسامع أمي التي سمعت الكثير من محتويات كتاب "بيت عبد الكريم"والتي لها علم لدنّي لاأعرف من أين هبط عليها,وفي الحقيقة لم نكن أنا وأمي كالخضر وموسى لتقول لي "إنك لا تسطيع معي صبرا" ,ومع ذلك رحت أسألها:لماذا الآن المياه معتكرة , وِلمَ تصفو بعد حين ؟!! وتعضّ أمي على شفتها وتقول:ما هذه الأسئلة ,أتعترض على حكم الله ؟. وأنصت خوفاً من النبع المسحور الذي تغتسل فيه الجن ليلاً وظلّ اللغز دون حلٍّ إلى أن جمعتني الأقدار بالمرحوم "إبراهيم بلعيس" في بيت خالتي أسما,وكان إبراهيم بلعيس محدثاً من الطراز الأول,ولو كان هذا الرجل متعلماًلكان محامياً ممتازاً,أو أديباً نابهاً,ولا أزال أذكر تلك السهرة وأنا في طفولتي المبكرة , كانت مدخنة خالتي أسما مكتظة بالدخان القاتم ,وكان حطب الموقدة النكّوب وبعر المعزة,وعندما "تحكشه" خالتي أسمابالـ"محواش" وليس بالملقط تفوح رائحة النكوب مختلطة بالدخان ونبدأ بالسعال,وعيوننا تدمع كما لو أنك عصرت فيها كيلومن البصل ,وكنت لاأبصر الجالس أمام الموقدة "خالي عيسي بلعيس" على بعد نصف متر مني,وإذاخفـّتْ سحب الدخان وبدأ واحدنا ينظر في وجه الآخررأيت واحدنا وكأنه خارج من بئر مقطوع فيها الهواء ,منتفخ الأوداج,محمر العينين,مصاب بالسعال الديكي ,وأرى الدخان يخرج من ثنايا ذقن خالي عيسي وهو ينفض عنهاالرماد, ومع ذلك ترانا مشدودين للراوية إبراهيم بلعيس وكأننا أمام الأصمعي ,ولاتنسى خالتي أسما أن تسقينا الدبس الممزوج بالماء ,وأحياناً تشوي لنا البلوط الذي جلبه "خالي عيسي" من الجبل باعتباره"نـُقـْل" السهرة ,وكنا نقرط البلوط وكأنه أطيب أنواع الفستق في العالم على هدير صوت محدثنا إبراهيم بلعيس الذي راح يروي لنا سبب اعتكار المياه في عين المنتني,وأنا أنصت لحديثه كما ينصت موسى لنجاوى جبل الطور المتحدرة إليه من لدن حكيم عليم:

ـ كان ياما كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان ملك من الجن يحكم الأقاليم السبعة من جبال واق الواق ,وكان بينه وبين مملكة الإنس سبعة جبال الأول من نحاس والثاني من دخان والثالث من زبرجد ,والرابع من مرمر , والخامس من ذهب ,والسادس من حديد والسابع من ظلمة وضوء ونحن نرى الليل والنهار من خلال هذا الجبل,وعلى كل جبل سبعة أرهاط من الجن , ويحرس كل جبل سبعة مردة ,كل واحد منهم قدماه مغروزتان بقاع العالم السفلي ورأسه يكاد يلامس السماوات ,وفي كل جبل سبع مدن يحكمها وكيل لملك الجن ذي الأمر المطاع ,وعلى مدخل كل مدينة رصدٌ يعرف الأغراب الذين يضمرون الشر لأهل المدينة ويطلع على الأسرار بواسطة خرزة زرقاء ,وقد أخذت هذه الخرزة الزرقاء من خاتم سليمان الحكيم,ومرة أراد ملك الجن أن يتفقد مملكته ولكن زوجته الساكنة في قصر الزمرد قرأت له الغيوب في "جراب اسماعيل " وأخبرته أن رهطاً من الجن الكفرة تسللوا إلى مملكته المؤمنة , وبدأوا يشحذون أنيابهم لاغتياله ,وطلبت إليه متوسلة بحبه أن يرسل ابنه لإنجاز هذه المهمة , واستجاب ملك الجن لتوسلات دموع زوجته الأثيرة لديه, وجهز ابنه بسبعين ألف رهط من الجن المزودين بالمزاريق والمنجنيق والدبابيس والخيول التي تسبق الريح في جريها ,واستطاع ابن ملك الجن المؤمن أن يسحق الرهط الكافر, وترك الدم على سيفه حتى يريه لوالده لتقر عينه ,وبعد انتهاء العملية أمر ابن الملك جيشه بالعودة إلى أبيه , وقال لهم : سأتبعكم بعد أن أقوم بجولة في بلاد ما وراء جبل الظلمة والنور , ولم يـُبق ِمعه أحداً ثم خلا إلى سره ولبس ثياب الريح التي ألقت به في لمح البصر على تلة الخضر مقابل بلدة الصويري , وكانت المسافة التي قطعها بعد أن لبس ثياب الريح تقدر بمسافة خمسين ألف سنة للجني العادي الذي طول خطوته الواحدة ثلاثين ألف فرسخ ,وخلع ابن ملك الجن ثوب الريح لكي لايشك به أحد , وهو غير مخول لإيذاء أحد من بني البشر ,وبدأيتجول في "البيـّاض",ولما شم رائحة الجوري المنبعثة من النبع المسحور اقترب منها بتهيب شديد ليرى فتاة من كأنها قلب الصبح تشرب من النبع المسحور , وبانشداهٍ رحت أسأل إبراهيم بلعيس :بنت من هذه الفتاة الجميلة ؟!!!فأجابني وهو يرمقني شزراً :إنها بنت أبيها الذي سكن الصويري من قديم الزمان , وقد تحترق قريتنا إذا بحنا بأسرار هذا الموضوع . فصرخت :أرجوك لاتقل.واستمر ابراهيم: بدأابن ملك الجن يتودد للفتاة إلى أن وقعا في الحب :

ولأنَّ الحبَّ يوحـِّد بين الماء وبين النار

أراقا دمعهما,حتى كبرت من دمعهما الأشجار ,

وبلهفة عاشقةٍ قالت نتلاقى بعد ثلاثٍ

قرب النبع.

فإذا أبصرت الماء زلالاً فاعلم أني قادمة ٌ

بين الأشجار,

وإذا أبصرت الماء أمامك معتكراً

فاعلمْ أنّ الماء المعكور دمي ،

وسأظهرفي أزهار النرجس،

حين تؤوب الطير وتأتي أنت إلى النبع المسحور

عاماً ,عاماً.

آه الآن أفهم لماذا تشبه أزهار النرجس فساتين فتيات قريتنا ,والآن فهمت لماذاتعتكر مياه عين المنتني في أوائل الربيع كل عام ,إنها ما زالت وفية لتلك الفتاة التي قتلها أخوها بعدما عرف قصة أخته وابن ملك الجن من ناطور الكروم في قريتنا,الذي كان يتنصت من خلف العُلَّيْقة ,وبسرعة أخبر أخا الفتاة أن أخته أحبت جنياً, وسيلتقيان على عين المنتني بعد ثلاثة أيام ,فما كان من هذا الفتى إلا أن كمن في العليقة لأخته ,وعندما جاء ابن ملك الجن للقائها انقض على أخته بخنجره , وأغمده في صدرها ,واختفى ابن ملك الجن لأنه غير مخوَّل لإيذاء أحد .

ومن يومها تعتكر عين المنتني في أوائل الربيع,لأن دم الفتاة اختلط بالمياه الجارية , ولا تزال حتى اليوم بعض عروق الدم الحمراء تظهر في مياه النبع المسحور ,ولا يزال حتى اليوم يُسمَع صراخٌ وأنينٌ قرب النبع في الليالي العاصفة لأن ابن ملك الجن يأتي لزيارة حبيبته دون أن يخلع ثوب الريح ,ويأتي أيضاً في ليالي الربيع مرة كل عام ليقطف باقة من أزهار النرجس ويسجيها على قبر حبيبته ,ويقسم ابراهيم بلعيس أن عجائز من قريتنا رأين ابن ملك الجن يضع باقة النرجس على ضريح حبيبته ,وهنّ صادقات فيما يقلنَ . 

               *******

"خلة القتيل"

 خلة القتيل توجد جنوبيّ الصويري,فيها مغارة ينموعليها البطم والملول,وبابها يشبه حلق الأسد المسحور ,والأشجار فوق متنه كاللبدة الفرعاء ,ومن حولها كنا نجمع الزعتر البري والعكـّوب والزعبوب والمُشِّي ونحن أطفال صغار,وأحياناً كنا نلحق رعاة البقر الأكبر منا سناً, ومع ذلك لم يجرؤ أحدنا على اقتحام أسرار هذه المغارة ,وكنت دائما في سري أتساءل :لماذا سميتْ خلة القتيل ؟وما قصة قتيلها,واستمر اللغز حتى فك رموزه في سهرة حاشدة المرحوم زوج عمتي يزدة ,كانت سهرة عامرة بالأراجيل والدخان اللفّ والزبيب والقضامي ,وأحياناً جنطاس الدبس الذي يدور علينا واحداً واحداً, مصحوباً بنكات اقتصادية "خلِّ شويْ لغيرك" وتنفجر القهقهات,إلى حد الشردقة أحياناً في قلب الجنطاس ,ومع ذلك لايقرف أحد من أحد على الرغم من أن شوارب بعض الشاربين تخرج من الجنطاس وهي تقطر دبساً ويمسح الشارب شاربيه بكمه ويمسح بلسانه طرفي فمه, والتتمة في الجنطاس القادم .

كان ياما كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان ملك جبار يحكم الأقاليم السبعة ,وكان يملك البلاد والعباد ويقاسم الناس ليس فقط بيادرهم وكرومهم ,وإنما يقاسمهم كل شيء حين يحلو له ذلك ,ولايسمح للناس ممارسة الفرح أو الحزن إلا بأمر زبانيته ومرتزقته , والويل لمن يفرح أو يحزن دون إذنه ,وكان له مئة قصر مملوءة بالجواري والخصيان ,وتحت القصور سراديب مملوءة بالقمح والزبيب واللوز والخمور ,وتحت بعضها سجون حيث كان يأمرجلاديه بجلد العمال والفلاحين , وهو يتلذذ بسماع صراخهم ويطيب له الأكل والشراب على أنين المرضى والمعذبين ,وكان هذا الجبار كلما قتلاً رجلاً احتفظ بجمجمته ,وحفر عليها اسم ضحيته ,وأسماء أبنائه وإخوانه ليراقبهم ,وينتقم منهم عندما يأتي أمره ,ونشأ فتى يتيم وأبوه عاش يتيماً من جراء ظلم هذا الملك الجبار ,وكان هذا الفتى اليتيم مملوءاً بالقهر والفتوة وحب الانتقام لآبائه القتلى المظلومين,وأراد قدره أن يقع في حب فتاة من قريته بادلته الحب والوفاء ,وكانت بارعة الجمال إلى درجة أن من رآها وقع في حبها,ويقال :إنها ذهبت يوماً إلى العين والجرة على رأسها ,ورآها أحد زبانية الملك الجبار ,فأراد أن يتقرب بها لمليكه ,فذهب إلى قصر الملك وحكى له عن   

جمال تلك الفتاة,فتملكت الملك رغبة ملحـّة لمنال تلك الفتاة والتمتع بجمالها ,وطلبها مع والدها الذي لم يجد بداً من الاستجابة لطلب الملك ,وإلا حـُفـِر اسمه على جمجمته في أحد السراديب . توسلت الفتاة بدموعها الغزيرة ,ولكن دون جدوى,وكان أبوها يبكي أكثر منها إلى داخله,ولكن ممانعة هذا الرجل المسكين ستجعله نهباً للوحوش الضواري.

أضيفت الفتاة إلى جواري القصر بعد ممانعة لاتملك تلك المسكينة إدامتها .وكانت كل يوم تطل من شرفة القصر الخالي من الحب,وتذرف الدموع الغزار,وكان فتى أحلامها يجوب البراري والقفار ,وفجأة رأى نفسه أمام قصر الملك الجبار ,ورأى فتاته تلوّح له بيدها ذات الإسوارة الجميلة التي كانت رمز حبهما الخالد .

في الليل كان الفتى المقهور مع حبيبته على سرير الملك ,وبعد ساعة متأخرة من الليل كان الملك يفتح باب الغرفة ليلتقيه الفتى بطعنة خنجر تجمّع فيها حقد كل المظلومين في لحظة حمراء تقطر بالدم ,وبسرعة جز الفتى الرأس وتسلل مع فتاته بسرعة من جانب الحراس الذين كانوا يغطون في نوم عميق،وهناك في ساحة الصويري, وحبيبته بجواره , ورأس الملك الجبار في يده اليمنى , وقد حمله من شعره الطويل وترك الدم يقطر من أوداج عنقه المقطوع الذي نام طويلاً بهناءة على الوسائد الحرام المجبولة بدموع المقهورات من سباياه .

هتف القرويون بصوت واحد تحية لابن قريتهم ,وأخذوه بالأحضان وهنأوا عروسه بخلاصها من محنتها,وهرعوا إلى رؤوس الجبال يشعلون النار لإخبار القرى الأخرى بمقتل الملك الجبار,واجتمع كبار القرية لتدارس الحدث الجلل,وقرروا الدفاع عن قريتهم مهما غلا الثمن إذا جاء جيش الملك لينتقم من الفتى وقريته ,واعتبروا فتاهم مخلـِّصاً ,وأبوا أن يدفنوا رأس الملك الجبار في مقبرة القرية لأنه يدنسها ,ثم وضعوا الرأس في كيس وذهبوابه إلى خلة القتيل التي كانت بعيدة عن القرية في تلك الأيام قبل أن يغزو البناء مساحات شاسعة حول القرية ,لقد دفنوا الرأس احتراماً لحرمة الموت فقط,لقد كان رأي الشباب أن يلقى الرأس أمام الكلاب ,ولكن حكماء القرية أقنعوهم بمراعاة حرمة الموت . ومن تلك الأيام صار اسمها خلة القتيل .

 

         ********

 

الخضر الأخضر   

الخضر الأخضر حي لايموت إلا مع جبريل بعد موت عزرائيل ونهاية العالم ,الله حباه بعلم لدنّي,يعلم أسرار الناس ويشفي المرضى بإذن الله ,عنده "جراب اسماعيل" الذي يحوي علوم الأولين والآخرين ,مقامه فوق,على تلة الخضر,وإزاء ضريحه شجرة دهرية يقال: إن عمرها لاتحصيه السنوات ,جوفتها الأعاصير العاتية ,وفي جذعها فتحة تتسع لأكثر من رجل ,وفي جانب الشجرة بئر يقال: إن فيه حنشاً أسود يتربص للأشرار الذين يسرقون زيت الخضر ,حيث كانت القرويات اللواتي ينذرن نذراً يشعلن السراج الموضوع في مشكاة في جدار مقام الخضر ,وكان السراج مقدساً لأنه من بعض أسرار الخضر حيث يبقى مشتعلاً في الليالي العاصفة ,والذي يسرق زيت الخضر لايستطيع النوم ,وقد يرى الحنش الأسود راقدأ في فراشه باستمرار, وعيناه تقدحان شرراً ,وقد يصاب بعلة لايبرأ منها أبدأً , أما صاحبات النذر فتستجاب نذورهن إذا كنّ ذوات نوايا طيبة ,بعضهن ينذرن لإزالة العقم عنهن والابتهاج بمولود صالح ,وبعضهن تقدّمَ بهن العمر ويردن عرساناً,وبعضهن لعودة غائب وشفاء مريض .

الخضر الأخضر تأتيه الغزلان ليلاً لتتشرف بأن تكون طعاماً له ,والغزلان تشتكي عنده كسائر الوحوش في سنوات المحل والعسرة .وله جواد مُسرَجٌ دائماً بسرج مرصع باليواقيت والزمرد والعقيق ,وهو يحرس القرية من الزلازل,ويصد عنها الأعاصير العاتية .حصانه شرب من "عين الحياة",ولذلك شارك الخضر في الشرب من ماء عين الحياة ,وسيبقى يصهل في تلة الخضر ما دامت الأرض أرضاً,والسماء سماء ,وصهيله يمتد في كل الجهات ,ويجيء أطفال القرى ويجمعون صهيله في أغنيات .

الخضر الأخضر قتل التـنـِّين,وجر الماء للنجمة"التي تغذي عين الصويري , ومن يومها أعطى الإذن للجن المؤمنين أن يقيموا أعراسهم في النجمة مساء كل خميس, وكان القرويون في ذلك الزمن يسمعون عزف الجن وغناءهم حتى الفجر ,ولايزال بعض المسنين في القرية يؤكدون ذلك, ويقسمون أغلظ الأيمان على ما يقولون.

إذا زار الخضرَ رجلٌ أو امرأة في جنابة فسيصاب بمرض مزمن ,وتحل عليه لعنة أبدية إلاّ إذا أشعل سراج الخضر لسبع مرات متتالية كل ليلة خميس على جمعة ,لأن الخضر في تلك الليالي يستقبل الأصفياء والأولياء ,وبعض مشايخ الصوفية كالشيخ عارف مثلاً .

والخضر إذا أراد أن يعطي كرامة أو شيئاً من علمه  لإنسان تفل في حلقه فأصبح يمتلك سر الطريقة ,ثم يترقى إلى أن يصبح قطباً ينجذب الناس إلى مجالسه وحلقات ذكره .

الخضر جسد شفاف يعرف أمور الناس قبل حدوثها بإذن الله ,وتلك كرامة كبرى خصه الله بها كما في قصة الخضر وموسى في سورة الكهف ,وطمعاً في شفافيته حفظت أول ما حفظت من القرآن "سورة الكهف" وتمنيت يومها أن أكون على باب وصيدهم مع كلبهم لأكون أحد تلك الدواب التي تدخل الجنة بلا حساب ,مثل كلب أهل الكهف وهدهد سليمان ونملته ,وعجل إبراهيم الحنيذ ,وناقة صالح ,وبقرة موسى ,وحوت يونس,وكبش الفدية لإسماعيل,وغراب ابنيْ آدم ,ودابة الأرض التي أكلت منسأة سليمان الحكيم .

والقرويون لايزالون يقسمون الأيمان بالخضر لحضوره الدائم في ضمائرهم . أوليس هو الذي نبـّأ موسى بتأويل مالم يستطع عليه صبراً .؟والخضر في قريتنا مسلم سني,أمافي عيتا الفخار فهو مسيحي.

           *******

احتفالات "خميس الدعسي"

 

أجمل المواسم في قريتنا احتفالات "خميس الدعسي",فيه نلبس الثياب الجديدة,أو ما يشبه الجديدة ,أو مانتوهمها جديدة,ورغم الفقر الذي كان يلاحقنا حتى في خميس الدعسي فقد كنا سعداء ,كما يقول السياب :

  سعداءَ كنا قانعين

  بذلك القصص الحزين

     لأنه قصص النساء .

  في ذلك الزمن البعيد . نعم كنا سعداء .

كنا نستعد للقاء خميس الدعسي قبل أيام,أمامساء الأربعاء الذي يسبق خميس الدعسي فلم يكن يغمض لنا جفن,لأننا سنكون على موعد مع الفرح ,على موعد "النوبة",على موعد مع الفساتين التي تشبه بساتين عنجر في أوائل الربيع,مع رؤية القادمين من القرى الأخرى ,من مجدل عنجر وبرالياس وكفرزبد ومعظم القرى البقاعية التي تصبح على موعد مع النبي "زريق",أو "النبي زعور" وزعور كلمة سريانية تعني الصغير.

 كنت في الليل أسهر مع أمي التي تسلق  البيض وتغليه مع قشر البصل فيصبح لونه بصلياً جميلاً ,وربما أقوى على "المفاقسة "التي يتصاعد سوقها في خميس الدعسي ,وهناك مجموعة من الشباب "الحرِّيفة" الذين يجيدون المفاقسة ويكسبون بيضاً كثيراً ,كنا نهتم كثيراً بتفاصيل" خميس الدعسي ",ولكن أكثرماكان يشغل ذلك الفتىالمشتعل الأعماق,والمملوءبأعاصيرجامحة للاكتشاف والرؤياهو رؤية النوبة,كان حين يرى علمهايرفُّ قادماً من مجدل عنجريشعر أن روحه ترف مع العلـَم ,وأن المكتوب على راية النوبة كأنه كـُتـِب بقلم يحمل رائحة طيبة من بلد مملوء بالأسرار والأدغال,وفيه دراويش لهم قدرات خارقة,وكان الذي يحمل الراية ينشد بصوت عال قصيدة للشيخ عبد القادر الجيلاني" قـُدِّسَ سرُّه":

كلُّ شخص ٍ يطوف بالبيت سبعاً

                  وأنا البيت طائفٌ بخيامي

ويشرد الفتى ذو الأدغال الجوَّانية ,ويفكر بأولئك الأقطاب الكبار أصحاب الخوارق , صُنـَّاع الأعاجيب ,وكان هذا الفتى يطرب لسماع صوت الناي ,وكأنه يحدو قافلة في ركبها أخيار وأصحاب جذب , في أصواتهم مدى أبعد من خيال المتلقي .

كان الفتى ذو التجليات الداخلية يحس بقشعريرة لذيذة تجتاحه ,وهو يراقب المتقدمين للنوم تحت حوافر خيل النوبة ,والذين سيـُدخلون الدبابيس في الحَنـَك فيخرج من الحنك الآخر ,ويصطف الرجال أصحاب الطريقة وبإيماءة خفية من الشيخ ينبطحون على الأرض ,ويـُدخل كل واحد رأسه ويغطيه بفخذيْ الرجل المنبطح أمامه ,ويتقدم الشيخ الأكبر ويهمس في أذن الفرَس,ثم تـُقاد بسرعة فوق ظهور المنبطحين ,وتتعالى الأوراد والموشحات ممتزجة بروائح قضبان البخور التي يملأ دخانها الأرجاء . بينما يمرّ صفٌّ من الرجال والدبابيس في أحناكهم ,وبعضهم يسيل الدم من الفتحة في حنكه ,فيهمس أولو العلم من الواقفين :هناك أناس بيننا عليهم جنابة ,ولذلك فسد المشهد .

ومرت غمامة فوق الضوء المنبلج من أعماق ذاك الفتى ذي التجليات العميقة,وبدأت الأسئلة الملحة تصنع بقعاً سوداء في ذات الفتى :لماذا يخبئ الرجال رؤوسهم إذا كان في الأمر إعجازٌ؟!!!! كان عليهم أن يدَعوا الخيل تمر على رؤوسهم إذا كانوا أصحاب كرامات دون أن يصابوا بأدنى أذى ,ثم لماذا لايغرز هؤلاء الرجال الدبابيس في عيونهم إذا كانوا أصحاب كرامات؟!!!  كانت أسئلة الفتى مبكرة وأكبر من فهمه, ويرتاح قليلاً حين يسأل أحد أولي العلم نفس الأسئلة, ويأتيه الجواب :أن هناك أناساً يقطعون رؤوسهم ويفصلونها نهائياً عن الجسد,ثم تكون لهم القدرة لإعادة تركيبها ويقسم المسؤول أنه رأى ذلك بأم عينه مراراً فيرتاح الفتى قليلاً ,ويسير ليراقب الدبـِّيكة ويحفظ الغناء الشعبي الوافد من القرى الأخرى ,وكان يراقب بلهفة أصحاب الثياب الغالية الأنيقة ويتمنى لو أنه يرتدي مثلها ,ثم يطلق قهقهة استهزاء ويعود لسماع الناي والأصوات الخلابة ,وكانت له قدرة خارقة على التقاط ماتخفي نظرات الصبايا والشباب في "تلة النبي زريق" رغم يفاعته وصغر سنه .وكان يدرك أن فلاناً يحب فلانة دون علم مسبق , ثم يحاول الدخول في لعبة المفاقسة بالبيض, فيخسر البيضتين الملونتين وينسحب وليس معه إلا البيض الذي خـُلق معه .

وعلى" تلة النبي زريق" كان يراقب بدفء صوفي نهر "شمسين "الذي ينساب تحت جسر"ديرزنون" ليعانق الليطاني باتجاه الجنوب,أمالبقاع فكان يبدو كسجادة ملونة تزينها نقوش النرجس وشقائق النعمان وخطوط البنفسج وكل ورود الدنيا,وكان شيء يولد في حناياالفتى الممتلئ بالأحلام والفقر والأسئلة ,كان يدرك أن شيئاً غير واضح تماماً ينمو في أعماقه,ولم يكن يومها يستطيع أن يحدده في كلمة .

كان "خميس الدعسي"مهرجاناً شعبيا,وكان أيضاً سوقاً شعبية حيث ترى الباعة يبيعون منتجات البقاع , بعضهم يبيع البيض المسلوق للمفاقسة ,وبعضهم يبيع الحلاوة الجوزية والهريسة والسمسمية ,وبعضهم يبيع دجاجاً حياً في الأقفاص,وماشابه ذلك .

بقي أن نقول :إن على التلة مقاماً لأحد الصالحين ,ويزوره الناس للتبرك ,أما في "خميس الدعسي" فيغدو صالة بلا جدران للقاء القرى البقاعية ,للتعارف وللتواصل وللحب ولرؤية النوبة .

       * *  *  *  *

 

 

من حكايا القرية:

 

حكايا القرية,نصفها أو أكثر عن الجن ,يروون أن فلاناً بن فلان كان قد ذهب على فرسه للسهرة في كامد اللوز عند صديق له,في ليلة من ليالي الشتاء العاصفة ,وأثناء عودته بعد منتصف الليل رأى امرأة على الطريق في العقبة التي توصل إلى" سطية ". طبعاً في تلك الأيام لم تكن هناك طرق معبدة ,ولايوجد أي منزل على الطريق ,جفلت الفرس حين صرخت الفتاة مستنجدة بالخيـّال ليردفها خلفه, وكانت ثيابها مبللة بالمطر ,ووضعها يستدعي الشفقة تحت سقف تلك الليلة التي لاقعر لها .أردفها الخيّال خلفه, وفجأة بدأت تلز به أكثر,ثم راحت تدغدغه وتقهقه,فالتفت الخيال نحوها وإذا رجلاها تلامسان الأرض وشعرها منفوش, وأسنانها أطول من أسنان زبانية جهنم,فوقف شعر رأسه من الخوف ,فدفعها عن فرسه ولكز خاصرتيْ الفرس,فطارت به ,وظلت الجنية تناديه باسمه ,ومن يومها تمتم هذا الشاب ببعض الكلمات , وانقطع لسانه للأبد من شدة ما ألم به من رعب في تلك الليلة الليلاء .

ويروي أهل الصويري أن "البوابة" مسكونة بالجن, ولهم فيها أعراس حتى مطلع الفجر .لم يكن يومها أي بناء قرب البوابة" وكذلك "المحفارة",والغريب أن بيتنا الآن على المحفارة وتحديدا على مناكب الجن ,ويبدو أنهم ملوا جيرتنا بعدما سمعوا مني تحية الأعشى لهم :

       أتوا ناري فقلت منون أنتم   

              فقالوا: الجن, قلت:عموا ظلاما

وهذه قصة مازلت أحفظها من الخمسينيات , رواهاإبراهيم بلعيس عن سائق سيارة ,كانت الوحيدة في كل المنطقة في تلك الأيام, يقول الراوي:إنه في إحدى الأماسي عاد متأخراً, ولم يكن معه ركاب,وكانت القرى في تلك المرحلة متباعدة ,أوقفته امرأة في الطريق وثيابها مبللة بالمطر ورجته أن يوصلها إلى قريتها القريبة ,فأشفق عليها وصعدت بجانبه وظلت صامتة حتى وصلا القرية,وأدخلته في أحد الزواريب , ورجته أن ينتظر قليلاً حتى تعود ,كانت المرأة غريبة الأطوار, ولذلك صار عند السائق هاجس كشف ذلك اللغز وبالفعل عادت المرأة بسرعة,ولكنها عادت ومعها طفل يضحك لايتجاوز السنتين من عمره,وصعدت بجانبه ورجته أن يعيدها إلى المكان الذي جاءت منه , فاستغرب لأن المكان بعيد ولا يسكنه أحد ,و كانت قد اشترت من دكان عتيق  في القرية علبة سردين وطلبت من صاحب الدكان بعض الخبز ,ثم صعدت بجانبه وهي تشم الطفل وتقبـّله,فاستغرب السائق سلوكها ولكنه سار ليعرف النهاية  باتجاه نفس المكان الذي أصعدها منه ,فأوقفته حين وصلا إلى المكان, ونزلت ثم اختفت عن ناظره تحت الظلام  ,لقد ظل حائراً من أمره ,وأخيراًواصل مسيره.وكان قد أعطى لها بعض البرتقال في الطريق لعلها تبوح بشيء من أمرها.

في اليوم الثاني ذهب إلى القرية ودخل إلى البيت الذي دخلته المرأة في الليلة السابقة فوجد في البيت مأتماً,لقد مات طفل في هذ البيت الليلة البارحة ,جلس السائق معزياً مع الناس ومستغرباً ماحدث ,ثم نظر أمامه إلى الجدار فرأى صورة المرأة التي صعدت معه في الليلة السابقة معلقة على الجدار فسأل عنها ,فقالوا له:هذه أم الطفل الذي       

مات البارحة مساء,تماماً في الوقت الذي نزلت منه من سيارته ,وتلك صورته,وكانت صورة الطفل نفسه الذي رآه البارحة ,وقالوا له إن الأم ماتت من سنتين  ,  فارتبك السائق واختلى بوالد الطفل وأخبره بما حصل معه قبل يوم,فاستغرب الوالد ما سمع, وذهب مع السائق إلى المكان الذي نزلت فيه المرأة قبل يوم,واندهش الأب ,وقال هنا دفنا المرأة قبل سنتين ,ومشيا معاً باتجاه القبر,وكانت الدهشة في قمتها حين رأى السائق علبة السردين  والبرتقال والخبز فوق القبر .

 هذا مارواه صاحبنا على عهدته, وما زالت هذه الحكاية تملؤني بالغرابة كلما تذكرتها .

بالإضافة إلى هذا النمط من القصص الغريبة هناك قصص من واقع القرية ,فقد روى إبراهيم بلعيس رحمه الله أن سنة قاسية مرت على الصويري ,وصل الثلج فوق الأبواب ,وانقطعت الطرق,وصارت الوحوش تعوي تضرعاً لربها ليحميها من العواصف الثلجية ,ويترك لها فسحة من التراب لتسفَّ منه لأنها تبيت على الطوى ,وفي ليلة ليلاء ماتت كل نجومها وقمرها, نزل أحمد سليم رحمه الله ليتفقد "طرشاته"بعد منتصف الليل فوجد ذئباًأوى إلى التبّان هرباً من الثلج والعاصفة ,وحين رأى الذئب الرجل داخلاً عوى ثم أقعى تحفـُّزاً للوثوب على الرجل ,وكان أحمد سليم رابط الجأش شجاعاً,فقابل الذئب واستطاع أن يصرعه ويقضي عليه.والحادثة لاتزال إلى الآن تروى على ألسنة أهل الصويري.

ومن القصص المعبرة عن المجاعة التي مر بها لبنان قصص "سفربرلك" أيام الحرب العالمية الأولى ,حيث سيق الشباب إلى الحرب سوقاً ومعظمهم مات هناك في الحرب ,أو مات في الطريق "هكذا قيل في زمن الحرب :إن الذين يروحون لايرجعون"ولاأزال أحسُّ إيحاء ذلك البيت من العتابا الذي كانت  الأمهات تردده أيام سفربرلك" والذي كنت أسمعه من أمي فيما بعد:

     عيني ما تذوق النوم يا ذيب

                   حاكمها قلق ونعاس ياذيبْ

     غدي تسرح مع الطرشان يا ذيب

                    وبغير اللحم ماتغز النياب

     وفي رواية أخرى "وتفعل ما تريد وتشتهي"

البيت هذا موح ٍ كأجمل الشعر من خلال تعبيره عن حالة الفقر المزرية التي تجبر الأم على تعليل أطفالها بلحوم الغنم لاحقاً بعد هذا الجوع الكافرعبرالذئب الجائع ذي الأنياب الحادة,ثم انظر إلى تلك العين ,عين الأم المصابة بالقلق والنعاس في آن,قلق على أطفالها الجائعين ونعاس من التعب المضني في البيت والحقل,والذئب عند العرب رمز الجوع الأبدي كمانرى في الشعر الجاهلي وشعر الفرزدق والبحتري  . وكان الرعاة في قريتنا"يربطون حلقوم الذيب"وفي ذلك ربط أسطوري بين الجوع وحق الجياع في الأكل ,وهذه الخرافة لايصدقها الرعاة فقط, بل كثير من الناس في القرية .مؤدى هذه الخرافة أن الرعاة يأخذون سكيناً خاصة ويقرأ إنسان مأذون على السكينة,فيربط حلق الذئب ,أي أن الذئب مهما كان جائعاً لايستطيع فتح فمه حتى ولو وضعته بين "شلعة" كبيرة . مسكين الذئب,إنه محكوم بالجوع الأزلي والغدر الأزلي,ولعل غدره مرتبط بجوعه إلى حد كبير . يقول الفرزدق مخاطباً الذئب الذي حاول سرقة شاته المذبوحة بعدما ناوله فخذاً من الذ بيحة ليلاً في سفر:

 تعشَّ ,فإنْ واثقتني لاتخونني

                 نكنْ مثل من يا ذئب يصطحبان ِ

 

 وأنت امرؤ يا ذئبُ والغدر كنتما

                  أُخيـّيْنِ كانا أُرضِعا بلبان ِ

 وبتّ أقدّ الزادَ بيني وبينه

                  على ضوء نارٍ مرةً ودخانِ

ومن الجميل في الشعر العربي عن الصراع من أجل البقاء ما قاله البحتري في الذئب حين التقى الجائعان في الصحراء القاحلة :

    سما لي وبي من شدة الجوع ما به

                  ببيداءَ لم تـُعرف بها عيشة رغدُ

    كلانا بها ذئبٌ يحدّث نفسهُ

                  بصاحبه ,والجـِدُّ يُتعسه الجـَدُّ

  

 عوى, ثم أقعى, فارتجزتُ ,فهجته, 

                   فأقبل مثل البرق , يتبعه الرعدُ

 

 فأوجرته خرقاءَ تحسب ريشها   

                   على كوكب ٍينقضّ والليل يَسْوَدُّ

 فما ازداد إلا جرأةً وصرامة ً

                    فأيقنت أن الأمر منه هو الجِدُّ

 فأتبعتها أخرى فأضللت نصلها

                بحيث يكون اللب والرعب والحقدُ

 

 فخرّ,وقد أنهلته منهل الردى

                    على ظمأٍ لو أنه عذ بَ الوِردُ

 وقمت ,فجمّعتُ الحصى ,فاشتويته

                     عليه وللرمضاء من تحته وقدُ

ونلت خسيساً منه ,ثم تركته

                       وأقلعت عنه وهو منعفر فردُ

 

العتابا في قريتنا كما في القرى الأخرى لها سهرات ومهرجانات ,والذي يتقنها يدعى للسهرات ويـُحترم,والذي يتقن غناءها بصوت جميل يدخل إلى كل القلوب بلا إجازة,وفي الأعراس تكون "نُقل"العرس ,وتأتي مصحوبة بالميجانا كمقدمة لها .وفي المآتم تفعل العتابا في النفوس فعلها,وتكون قادرة على استخراج أعمق ما في النفس من مكنونات .

والقرويون يحملون العتابا معهم إلى بلاد المهاجر ,ويرددونها فتأخذهم إلى الوطن كلما سجعوا بها ,وترسم قراهم ثانية على شغاف قلوبهم. 

وبعض الناس كانوا يرددون هذا البيت عن أحبابهم الذين قيل : إنهم ماتوا في "جانقلعة" في تركيا:

   جمل جابوك عالقلعا وناخوكْ

                    ومرسْ شدوّا بذرعانكْ وناخوكْ

 

  وما تنخاني ياابن امي وانا خوكْ

                    وعضيدكْ يوم لـَقـْوات الجناب

ولا حاجة للتذكيرهنا كما أعتقد إلى أننا أحياناً في العتابا نلفظ القاف أحياناً همزة كما في كلمة"قلق "في البيت الأول, وأحياناجيماً مصرية كما في كلمة "لقوات" .

أريد هنا أن أؤكد أن العتابا ديوان القرية, وفيها آدابهم وأخلاقهم الاجتماية وحكمتهم: كما في هذا البيت مثلاً "

    

 يا ليلى خاطر المجروح راعيهْ

                   عشب قلبي جراد الهم راعيه

إذا كان الأسد للغنم راعيه

                  بكت من جور عيشتها الذيابْ

 

حب القرويين للعتابا ينبع من أنه أدبهم الشعبي,فيه يسكبون أفكارهم وهمومهم,وفيه يضعون دموعهم وأحلامهم,بالإضافة إلى أنه يحتوي ما يفاخرون به من رجولة وأريحية وكرم وإباء:

يا ساعي قوم ولِّفْ عزِّ المالي

                      مابسكنْ دار فيها عزْمالي

مابقدرْ علْ كرامي عزْ مالي

                 الشرف بكثيرْ أغلى من الذهب

وأفجع العتابا في المآتم,حيث تهطل الدموع على رجع آهات العتابا.ولأن القرويين يجيدون فهم العتابا يكون تأثرهم بها أكبر,ومن أبيات الرثاء التي تهز النفس:

حزينا الدارْ والدَلـّة ْ عليهم 

                      عزازْ وينشد الخاطر عليهم

وجـُرْ حسراتْ يا قلبي عليهم

                       وجدِّدْ حزنْ كلْ دايرْ سني

"معنى :ينشد الخاطر عليهم أي يأتي الضيف إلى بيوتهم , كلمة" ينشد تعني يقصد" وكلمة الخاطر تعني الضيف "

وتجمل العتابا يوم وداع الذاهبين غلى البرازيل :

مثل عنّ الرحايا صار عنـّي

                     علـِّي بالليالي صارَعنـّي

رقبت الموج حتى صار عني

                      بعيد وصرت لايج عالحبابْ

وتتميز العتابابالمبالغة لتوازي ذلك الهوى الكبير في قلوب القرويين ,كقول الحبيب لحبيبته عندما يرسل لها رسالة "بخاف يفر قلبي من الكتاب" وكقولهم :

بكفي همْ يا ولفي بكفي

                  بكفـّي الهمْ والدنيي بكفي

كثر ما شربت دمعاتي بكفي

                   نبتْ لي تحت ظافيري عشاب

وكما ذكرنا في المثل " جيب ليل وخوذ عتابا"

كانت الأغاني تحكي حكايات كثيرة يفهمها القرويون جيداً

وكانت تنضح بهمومهم ,والغناء الحزين في القرى ,مهمته تفريغ النفس من أحزانها ,ولذلك كان الغناء من أبرز وسائل التعزية النفسية,وهذا يفسر قول الشاعر "وقد يغني الفتى من كثرة الألم ".

 

رمضان في القرية:

 

لرمضان في القرية والطفولة مذاق خاص,فيه تشبع روحك,ويجوع جسدك .إنه الشهر الذي تتهيأ له قريتنا قبل شهر,وتبقى آثاره في النفس بعد شهر,كنا ونحن أطفال صغار نفرح بحلول هذا الشهر المبارك لأن شيئاًيحل في القرية لاأعرف ماذا أسميه بالضبط,هل هو ضيف الرحمن كما كان يسميه والدي ,كنت أتمنى أن أرى ذلك الضيف الذي لايشبه الضيوف تشم رائحته ولا ترى جسده,كنت بحلوله أشعر بحلول صوفي غامر.

لاأزال إلى الآن أشمّ رائحة الطعام الذي كانت تطهوه والدتي,كنت أدور حولها في تلك الطفولة المبكرة كمايدور الفصيل حول أمه,وكانت تدرك أن طفلها غير صائم ,ومع ذلك تسائله بمرح :أأنت صائم؟,ويقسم لهاأنه صائم,وتردف هي :أرني لسانك,ويخرج الطفل لسانه فتضحك أمه من أعماقها ,ويطلق الطفل أيمانه الغلاظ , كان يقسم بالأولياء والصالحين أنه صائم ,ولكنه لم يكن ليتجرأ على أن يقسم بالخضر الأخضرلسببين :الأول هوأن الخضر على التلة العالية أمامنا , وهو يرانا,والثاني :كنت أخاف من حنشه الذي يعض الأشرار ويرقد في قبورهم يوم موتهم ,ويا للهول والفظاعة .

كانت أمي تجمع المشِّي والعكوب والسليقة والهندبة من الحرش,وتطبخها لنا لنفطر عليها,وكانت روائح الحرش تفوح من طعام والدتي ,حتى ثيابها كانت تحمل في ثناياها كل روائح أحراشنا وجبالنا, كانت أمي والأرض شيئاً واحداً ,كلاهما خصب معطاء,وكلاهما طيب لا يـُنقِصه العطاء شيئاً. كنا نجلس حول السفرة المصنوعة من الحلفة المفتولة وفي وسطها "الجسطرة" الملوءة بالطعام ,وقد ترى على المائدة الرمضانية عدة أصناف لاتراها إلا في رمضان"رمضان كريم" على كل حال,كانت أمي تعصر الحصرم على السَلـَطة في موسم الحصرم, وفي الفصول الأخرى كان السماق هو الحامض الوحيد عند أمي ,لم يكن واحدنا يأكل بصحن وحده ,كانت الجسطرة صحناً كبيراً للجميع ,وكنا نتناوب على ملاعق الخشب,وذلك قبل العصر المدني .كان الطعام طيباوشهياً,فيه طعم الأرض التي لم تتلوث بالمواد الكيماوية والنفايات التي أفسدت حتى الأنهار الكبرى ,كل شيء تلوث اليوم ابتداء بالغذاء وانتهاء بالإنسان نفسه .كانت مائدة أمي الفقيرة من أغنى الموائد إذا قيس الغنى بشبع الإنسان الحقيقي,الشبع النابع من قدسية ما تأكل ,ومن صوفية رمضان التي تجعل اللقمة تغريك بالعبادة ,لها طعم لا أحسه إلا على مائدة أمي الطيبة .أقول لقد سمحت لي ظروف حياتي بالأكل أحياناً مع رؤساء ووزراء وأناس ذوي شأن عظيم ,ومع ذلك لم أشعر بشبع ولا جوع على تلك الموائد,لأنني كنت فاقداً لتلك الشهية التي كنت آكل بها على مائدة أمي ,تلك الشهية النابعة من اللقمة الحلال,والتي خبزها كان معجوناً بعرق أمي ووالدي وقـَدُّومه الذي كان به يصنع "العيدان" أي المحاريث الرومانية لكل فلاحي القرية ,من يومها كنت أحفظ حكمة  وما زلت مؤمناً بها "اللقمة الحلال يتولد منها الميل للعبادة " صحيح أننا كنا نجوع ,ولكن أرواحنا كانت ممتلئة بغذاء آخر,لايمرّ عبر المعدة .كانت "القاورما" هي اللحم الوحيد في بيتنا , وكانت أمي تضعها في "مسامن"الفخـَّار وتغلف بابها بالطين ونبقى نستعمل القاورما سنة كاملة دون أن تفسد.

كان صوت "المُسَحِّر"يوقظنا فنتسحر مع المتسحرين,ثم نخلد للفرش الصوفية الدافئة التي كانت أمي تضعها مكدسة في "الليوك" وتتباهى بأن لدينا أربع "فـُرش"جديدة في الليوك ,ولا نستخدمها إلا إذا زارنا زائر ذو قـدْرٍ عليٍّ ,نفرشها ونضع عليها المخدات القليلة المحشوة بالصوف ,أما المخدات المحشوّة بالرويشة فهي كثيرة ولا تليق بالضيوف الكبار.

رغم أننا كنا في سن الطفولة المبكرة ,ومع ذلك كنا نتعذب من الصيام والجوع لأنك حتى ولو كنت مفطراً فإنك مضطر لسرقة بعض الطعام لقمة لقمةخوفاً من النواطير الصغار والكبار ,وأحياناً نأكل في الخزانة في الظلام ربما لكي لايرانا الخضر الأخضر وحنشه الأسود المرعب,كنا نتعذب أحياناً, إلاأنه العذاب الذي لايهبط بك كما يقول والدي.

تلك الدار التي لاتزال ذكرياتي تجوس خلالها أي دار ٍ هذه!!!إلى الآن لاأدري لماذا كان رمضان في قريتنا مرتبطاً بأمي أكثر من أي شيء آخر ,كانت روحي تنصت إلى أذن قلبها لتأمرني بتناول الطعام الذي كنت أحسه نازلاً إلى كياني بدون حاجة للفم واللسان والمعدة . لقد حفظت كلاماً لأحد المتصوفة ينطبق على علاقتي بأمي "يا من أنتِ في ساعة الألم راحة نفسي,ويامن أنت في مرارة الفقر كنز روحي " والمرء مع من لا يفهمه مثل السجين. كان بيني وبين قلبها نافذة .ولو تركت العنان لمشاعري الآن لهرولت روحي إلى قبرها للإقامة فيه . كانت رؤيتها كيمياء لروحي وهي عائدة من الحقل والحطب على رأسها,أو وهي تطهو طعام رمضان,كنت حين أراها هكذا معذبة من أجلنا أغوص أكثر في أقاليم روحي المهاجرة لعلي آمر المستقبل بالإتيان سريعاً لأفيها بعض حقها ,ومن عجائب الأقدارأنها ماتت بسببي ,لقد آلمها اعتقالي كثيراً فعانت وعانت ثم ماتت بحسرتي دون أن يتاح لي حضور جنازتها , وبموتها مات ذلك العصر الزراعي الجميل . لقد قتلتها أكثر من مرة بسبب ما مرَّبي.

في رمضان كنا نعزم الشيخ لتزورنا البركة كما يقول أهلنا لأنهم كانوا يؤمنون أنه ممثل الأولياء في القرية. وفي رمضان كان كل واحد منا يختم القرآن أكثر من مرة لغسل النفس من أدرانها أولاً,وثانياً لأن الشيخ يقول :إن من يقرأ القرآن في شهر رمضان يجزيه الله بكل حرف تلاه قصراً في الجنة ,"الم" هي ثلاثة أحرف حين نقرؤها "ألف لام ميم" إذن فيها ثلاثة قصور في الجنة . لكن قلبي كان يتجه  مثل الشعاع إلى الجانب  الذي فيه الجوهر .

كنت أرقب العائدين من العمل منهكين ,ولكنهم أقوياء بما يعنيه صيامهم . كان رمضان شديد الحضور في المساجد والبيوت والنفوس ,ولم تكن وقتئذٍ مئذنة لجامع قريتنا, فكان المؤذن يؤذن فوق سطح الجامع ويقرأ المناسك الأخرى مما يسبب له البرد والأذى,ولكنه يستمر في عمله لأنه يحبه .

في رمضان تكثر الصدقات والزكاة , هذا عدا زكاة الفطر ,فلا يبيت بيت على الطوى ,ولا ينام أحد جائعاً لأن رمضان كريم . وصدقات رمضان تؤلف بين الناس ,وتحدث المصالحات,والبعض يكف عن سافل الكلام ويقول إذا أحرِج :"اللهم إني صائم"

ليلة الوقفة "يبشر سقم الهلال بالعيد وتنقضي دولة الصيام"كما قيل قبلنا ,وللوقفة حرمة خاصة في رمضان ,فالذي أفطر الشهر يخجل من الوقفة فيصومها أحياناً كثيرة.  

صباح العيد نلبس ما تيسر من ثياب ,هي جميلة قياساً بما نلبسه في الأيام العادية ,أما إذا أردت قياسها بالثياب الجميلة حقاً فهي دون ذلك بكثير .كنانسبق الناس الذين ذهبوا لصلاة العيد إلى المقبرة ,تصورْ أننا نستقبل العيد على القبور,وهناك نرى الأمهات والأرامل واليتامى وبعض الرجال,وهم ينتظرون الشيخ والمصلين القادمين من المسجد لقراءة الفاتحة على أرواح موتاهم ,أما نحن الأطفال الصغار فلا هم لنا إلا أخذ الحلوى والزلابية لنذوق طعم العيد.وكان بعض الناس يأتون من القرى الأخرى لبيع "الفرنينات" للأطفال,وبيع "الحلاوي الجوزية" و"الهريسي" ولا تزال رائحة هذه الحلوى في أنفي حتى اليوم .

كان الخارجون من المسجد بعد صلاة العيد يذهبون إلى المقبرة أولاً لقراءة الفاتحة, ثم يمرون على كل بيوت القرية بيتاً بيتاً,ويعيـِّدون الناس جميعاً , وكان هذا أجمل ما في العيد لأنه يثبت أن القرية كالبيت الواحد في ألفتها وتوادِّها, ولأننا نحن الصغار كنا نسير وراء الكبار لتحصيل أكبر قدر ممكن من " الشوكولاطة" .

طبعاً إذا حل العيد في أيام الحصاد كان الكبار لايرتاحون تماماً لأنهم مضطرون لتعطيل يوم حصاد,أما نحن الصغار فكنا نتمنى أن يجيء العيد كل يوم لنتخلص من "الرجيدي" وجمع "غمار"القمح ,وشقعه في"الشبك",ولنقلع شوك "الشبرق" من أكفنا اليابسة كالخشب.

 

صندوق الدنيا,أو "صندوق الفرجي"             

هل تتذكرون صندوق الفرجي,أو صندوق الدنيا؟!

نعم,يتذكره أبناء الجيل القديم الذي أنتمي إليه.فما هو صندوق"الفرجي" ؟.

       

إنه السينما المتجولة في القرى أيام زمان ,كان يحمله صاحبه على حماره,ولك أن تتصور سينما محمولة على حمار ,وتعرض أفلامها في ساحة الصويري في بداية الخمسينيات ,والدخول إلى هذه السينما العجائبية يكون في العراء,وثمن "الفرجي" بيضة, أو رغيف خبز, أو بعض البرغل ,اوالحمص.

كان صاحب صندوق الفرجي يربط حماره على مرمى حجر منه ليظل تحت رعايته ,ويضع صندوقه بالشكل المناسب للعرض ,ويضع أمامه أربع كراسي خشبية بدون ظهر,ويبدأ العرض المنتظر ,ويكون كالتالي : هناك أربع عيون محفورة في الجهاز الخشبي الطويل,ومركبٌ فيها قطعٌ زجاجية محدبة مستديرة ومكبـِّرة ,وداخل الجسم الخشبي الكبير عامود خشبيٌّ يدورعلى تجويف في الخشب الذي يشكـِّل القاعدة ,وهومغطى بالتنك ,ويحدث صريراً حين "يبرم" العمود بيده ,وعلى العامود الداخلي يلفُّ الحكواتي صاحب الصندوق صوراً لعنتر وعبلة ولأبي زيد الهلالي ودياب بن غانم  ولحمزة البهلوان ,ولغيرهم من أبطال العرب.وعلى حركة يده يبدأ بالتعليق على أفلامه الممزق أكثر من نصفها :

هذا عنتر يا سلامْ.

وهيْ عبلا بدر التمام .

تفرجْ على "أبو زيد"

الكايد عدوو كيدْ .

ويستمر في وصف أبطاله وصراعهم مع خصومهم كالعبد زنجير والملك هيـّاف,ويصف جمال عبلة بنت مالك, والجازية أم محمد ,ويركز على الخوارق التي يقوم بها هؤلاء الأبطال في أفلامه التي تتكرر في اليوم عشرات المرات . ويصبح صوته شجيـّاً أكثر كلما كان العطاء أجزل.ولا ينسى أن يقدم مقطعاً لحماره المربوط قريباً منه,طالباً له تبناً وشعيراً من الأجاويد .ويطلب "طلمية" ممن تخبز على التنور لأن اللحاق بـ"خـَضْرة" ذياب بن غانم جعله يتضور جوعاً .وكنا إزاء غنائه الوصفي الرائع مشدودين لرؤية عنتر وهو يشق رأس خصمه العبد زنجير من رأسه حتى دكة لباسه.

كنت حين يصل الصندوق إلى قريتنا آخذ بيضة وأسرع لأكون أول الرائين لما في داخل صندوق الفرجي وقلبي يثب وثباً لرؤية عنتر بن شداد,حية بطن الواد,وقادح النار من غير زناد , وكنت أسمِّر عينيَّ في العين الزجاجية لصندوق الدنيا ,ولا أسمع إلا صوتاً واحدأ,هو صوت الحكواتي ذي اللحن الشجيّ ,وحين تنتهي دورة العامود يصرخ الفتى العجيب طالباً المزيد ,ولكن هيهات ,ها غيرك وهو يتشوق لمقعدك ,وقد نفد ما معك من البيض ,وأركض إلى البنك ثانية,أعني :أمي ,وألح عليها لتعطيني بيضةً ثانية,وتقسم أنها سلقت ماعندها من البيض لزوّادة أخي الكبير, وألح في طلبي لأن عنتر في ورطة مع جيوش العجم ,وكانت معرفة أمي بسيرة عنتر كمعرفتي باللغة الصينية, ومع ذلك فقد كانت دموعي تلسعها لسعاً ,ولا بد من رضوخها لتضرعاتي العجيبة ,وهكذا تذهب إلى قن الدجاج وتأتي ب"المَوْدَعَة " وهي آخر ما تبقى في القن لتنقذ عنتر بن شداد من مأزقه مع جيوش العجم . وبلحظة يكون فتاها جالساً على الكرسي التي لاظهر لها,وقلبه مع عنتر ,وأذنه مع الحكواتي الذي يجعل صوته ملائماً للموقف,في الغزل يرق صوته ,وفي المعركة تغدو ألفاظه حمماً,وحين يحسم عنتر الموقف يعلو الصوت أكثر,ولاأزال أذكر إلى اليوم صورة عنتر, وهو على ظهر حصانه الأبجر,ورمحه السمهري بيمينه,وعليه درعه,وسيف الميمنة وسيف الميسرة بحمائلهما الجميلة يتدليان عن جانبيْ الحصان ,والفرسان تفسح له الطريق, وهو يتأهب لبراز العبد زنجير. وبعد العرض يذهب الفتى الممتلئ بعنترة وأبي زيد الهلالي تياهاً ومردداً أناشيد الحكواتي :

عنتر يا فخر الصحراء

عبلة في أسر الأعداء

يا الله حررْها يا عنتر

واردفـْها خلفك عالأبجرْ

يانشمي يا ليث البيداءْ

في تلك السنوات كان إخواننا الفلسطينيون ,قد حلوا ضيوفاً عند إخوانهم اللبنانيين ,بعدما حصلت نكبتهم, وكان بعضهم قد نزلوا في الصويري يحملون أحزانهم ومفاتيح بيوتهم التي طردوا منها,وكان الفتى يحس أحزانهم ,وراح يتمنى لو أن "عنتر" حي ,ليخلصهم من عذابهم كما خلـَّص عبلة بنت مالك من الأسر.

وفي المساء يبدأ بسرد قصة عنتر أمام السهـِّيرة,وهم يبدون الإعجاب بذكاء الطفل ,وأمه تقول " البيضتين ما طلعو ضْيَاعة",وأبوه في منتهى السعادة,وكأنه رأى ليلة القدر.

طبعاً,كان "أبوحشيش" يأتي إلى قريتنا متزامناً مع الحكواتي صاحب صندوق الدنيا.وأبو حشيش شخصية فكاهية مرحة لا أحد يعرف اسم قريته ,وكنت أظن أنه قادم من كوكب آخر ,كان مع "أبو حشيش" دبٌّ وسعدان,وفي ساحة القرية يبدأ بإعطاء أوامره للدب المدرَّب ,ويبدأ الدب بتقليد البشر, وأحياناً يضع كفه على عقيرته هجاء لفلان ,وأحياناً يضعها على رأسه مديحاً لفلان ,وكذلك يفعل السعدان ,وتتعالى القهقهات في ساحة القرية, وكلّ ٌ ينقلب إلى أهله مسرورا.

كانت حياة القرية تدور على وتر واحد,إنها ذات وتر واحد كالرباب ,وقصصها تتكرر باستمرار,ولذلك تسأمها حين تصبح رتيبة , ولكن الحب يجددها باستمرار,فحذار ِ أن تسكن القرية , وقلبك ليس معك . فالحطب اليابس يعطي نوراً حين تسكنه النار. ولذلك ليس هناك شيء بلا معنى في هذه الحياة . كل شيء يصبح مسكوناًبالدهشة والجذب حين يدخله الحب. هذا الشوك الذي كان يملأ أيدينا وأرجلنا في القرى صرنا ننوح عليه حين ذهبنا إلى حرير المدن, أنا لست ضد المدينة,ولكن بشرط ان تسكنها روحي كما سكنها عقلي,وبذلك    تغدو الروح وطناً دائماً, في القرية كنت أسكن روحي,ولذا كان المكان يسكنني قبل أن أسكن فيه . لاتزال ذكريات الأرض الأولى طيوراً روحية في صحارى العمر القاحلة, وحين أسمع شدوها أسافر في الأخضر, وأرى ما لست أدري .كانت الأشياء حميمة,ولذلك ظلت معي هناك تحت الأقبية في ظلام الزنازين ,كانت تساعدني على الغربة والمرض ,كانت جنتي التي ضيعتهاوما زلت ابحث عنها.

هناك نقطة مهمة أريد الإشارة إليها ,وهي أن القرية اليوم فيها كمية عالية من السأم ,لالأننا نحن تغيرنا ,ولكن لأن القرية اليوم لم تعد قرية , وفي الوقت نفسه لم تصبح مدينةً.الزمان والمكان يتصارعان في القرية ,وأنا بينهماأتشبث بهزيمتي الأخيرة,لأن الهزيمة في قلب الزمان والمكان تعني أنك استوعبت الاثنين ,حيث الروح والعقل يريدان أن يعقدا صلحاً على "المحفارة"التي كانت في زمن المرحوم "خطـَّار"مأوى للجن, وصارت ملجأ للعواصف الوافدة من كل الجهات ,ومن صدر الفتى القديم الذي لم يعد فتى.العقل والقلب ليسا على ما يرام في هذه المسألة.ولذلك لابد من حسم المعركة .

"الجرن والمحدلي" :

قصة الجرن والمحدلي مرتبطة في القرية بظاهرة الرجولة,

كان الجرن المحفور في حجر يستخدم لـ"دق الكبي"وللكبة فيه مذاق خاص,وكان الشباب يضعون عصا معترضة في قلب الجرن ,ويصبون عليها الماء حتى "تنفش"وتتماسك مع الجرن لكي لا"تفلت" أثناء القيمة,والمحدلي كانت لها أيام وأعراس,كان الشباب العائدون من أعمالهم يتبارون في إنجاز قيمة "المحدلي"لما فيها من أمجاد في ليالي القرية وسهراتها الطويلة,وقريتنا مشهورة بقيمة المحدلي والجرن,وتتفوق بها على القرى الأخرى, أما في الأعراس فللقيمة شغل آخر ,فقد تنزل المحدلي لعائلة العريس ليتقدم فتى منها ويحل المشكلة برفع المحدلي ,وإلا فهناك فضيحة وتستلزم الاستنجاد بقيـِّيم من عائلة أخرى . وفي قريتنا أسماء لامعة كانت في هذا المجال .القوة فضيلة في الكون وفي القرية هي أكثر من فصيلة .قد تكسب القيمة راعيها عروساً جميلة تعجب بعضلاته المفتولة,ورجولته الدفاقة.    

               *******

مواسم الحصاد والبيادر:

 

الصويري قرية زراعية منذ فتحت عينيها على سهل البقاع,ولأنها قرية زراعية فقد ظلت العلاقات حميمة بين أبنائها ,وظلت أواصر الود قوية في المجتمع,وأراضي الصويري الزراعية واسعة جداً,وكانت في تلك الأيام تزرع القمح والشعير والحمص والعدس ,وكانت فيها كروم يبس معظمها من العنب العبيدي,ومن هذا الصنف من العنب كان اهل الصويري يصنعون الدبس في معصرة بيت زيتون, ومعصرة بيت الصميلي,تلك المعاصر التي صارت أثراً بعد عين . وما تبقى من العنب يباع لخمارة "المريجات"

في حزيران كانت المناجل تخرج من أوكارها لتلمع في وجه السنابل ,وكان أبي يخرج "قـُحفه" المشهور ,ذلك القحف الذي كانت "شمالته" غـُمْراً كاملاً ,أما إذا راح "يجـُرُّ" فإن "جرته" تشكِّل أكثر من أربعة أغمار. وكان والدي يحصد وحده بذار "كيـْل" وحده قبل حلول المساء ,وكذلك المرحوم قاسم الصميلي , هكذا حدثنا الثقات من الحواصيد في قرية الصويري ,وهذا يعني بلغة أخرى أن عمله يوازي عمل خمسة "حواصيد".

الشعير كان "يُحْلـَش" حليشة, ولا حاجة لاستعمال المنجل في حليشة الشعير,لأنه يـَيـْبَس بسرعة,وقامته لاتحتمل,إنه يتقصف بسرعة .

أما القمح فكان يحصد حصداً,وهوالموسم الأطول في مواسم الحصاد ,وعليه يعوّل في التموين ,إنه أبو الخبز وعنصر الحياة الأول ,ومن أجله قامت الحروب وعليه تقاتل الروم والعجم,ومن أجل الحصول عليه قامت الفتن والاضطرابات ,وعليه قتل ابن آدم أخاه,ومن أجله قال ابن خلدون" وهل تقاتل الروم والعرب إلاعلى الخبز؟".أقول هذا لأبين مدى الحماسة التي كان أهلنا يعطونها لمواسم حصاد القمح .كانت المناجل تُسَنّ مبكراً , فتلمع كالسيوف في أيدي الرجال الذاهبين إلى الحصاد ,وكانت "الزنانير" تشد على منطقة الخصر,لأن الحصـَّاد سيقضي يومه منحني الظهر,ويا ما أصيب والدي بـ"البرقة" بسبب طول الانحناء في مواسم الحصاد.

الحصَّاد الأقوى يكون هو "الغزّال" أي الذي يبدأبشق"الأمـَّان" والأمان هوالمسافة العرْضية التي يأخذها الحصادون,في كل ابتداء والذي يتكرر عشرات المرات في اليوم الواحد ,إذن "الغزّال" هو قائد فوج المناجل إذا جازت التسمية . وهو الذي يحدد وجهة سير المناجل.وعادة يكون "الغزّال" على اليسار,ويكون الباقون إلى يمينه.

وحين يشتد لمعان المناجل وصليلها,يبدأ أحد الحصادين بالغناء ,وعادة يكون صوته جميلاً,وقديكون المغني امرأة .وقد ثبت من خلال دراسة نفسيات الشعوب الجماعية أن الغناء أوالحداء في العمل أو في الحروب يجعل الإنسان أقوى,وأكثر إنتاجاً,وللحصاد أغانيه أيضاً ,وله أدبياته ومفاهيمه كالأشياء كلها .

كان الإنتاج الأفضل للحصادين صباحاًوقبيل الغروب لأن تأثير حرارة الشمس يكون أقل. وقد يستمر الحصاد قرابة الشهر.

"الرجيدي" تكون متزامنة مع الحصيدة,وتعني الرجيدي نقل الغلال إلى البيدر, لتجف ,ولتدرس بعدها .والرجيدي يقوم بها الأقل أعماراً عادة ,لأنها لاتحتاج جهداً كالحصاد. وتكون الرجيدي بوضع القش بسنبله في الشباك,والتي تحزم بالحبال القوية,وتربط "فردتان"متوازنتان على ظهر الحمار أو الحصان,وقد يضطر"الراجود" لوضع حجر في فردة لتتوازن مع الفردة الأخرى .وعلى البيادر يتكدس القمح كالقباب الذهبية , بانتظار"الموارج"أي النوارج . وتلك هي كنوز الحياة الأولى.

نهاية الحصاد نسميه "الجَوْرعة",وهي عندنا نحن الصغار أهم من العيد,لأننا سنرتاح من عناء الرجيدي,ومن لقط السنابل من وراء الحصادين ,وسنكون على موعد مع الرز بحليب أكلة الجورعة المعروفة .

الذي يكون مغلوباً في موسمه ولا يستطيع استئجار"فعالة" يساعده الذين جورعوا قبله ,وفي هذه المساعدة تتجلى العلاقات الحميمة بين أهل القرية حتى لكأنهم عائلة واحدة.

نرتاح يوماً,أو يومين,لنبدأ بموسم الدراسة أي دراسة القش,وتكسيره ليصبح عرمة,وعملية الدراسة هذه قد تستمر أكثر من عشرين يوماً,وكنا نستعمل البقر غالباً لدراسة البيادر,وأحياناً نضع الفطـّامات للبقر لكي لاينبشم من القمح ويتضرر ,ويقف الداروس على المورج المسحوب ,وبيده المسّاس لـ"يزغت" الثور إذا لم يسر بشكل جيد . وللداروس أيضاً أغانيه المشهورة .

.... والبيضة عند الجاجي,

     والجاجي بدا قمحة,

     والقمحة عند الداروس

     والداروس بدو عروس

     والعروس بدا طرحة

     والطرحة عند البياع

وعندما ينعم القش ويصبح صالحاً للذراوة تبدأعملية فصل التبن عن القمح عبر ماكينة الذراوة,أو عبر المذراة اليدوية وهي أقل كلفة بالنسبة لصالح صاحب البيدر المتواضع .

وكنا نرشم القمح ليلاً لكي لايسرق .

وعلى البيدريدفع الدين قمحاً,للحلاق وللدكـَّنجي ولكل أصحاب الحقوق والدائنين .

ثم ينقل القمح إلى التوابيت الترابية في البيت ,يؤخذ قسم منه للبذار ,والقسم الآخر يصـَوَّل ويجفف على السطح ,وعبر الروزنة يدخل في التوابيت,ويبقى قسم من القمح المصوّل للبرغل الناعم والخشن والقسم الآخر للكشك,أما القسم الأكبر فيبقى للطحين .

وفي تشرين يكون وقت للتموين, ووقت لإرسال الأولاد إلى المدرسة . والتموين في القرية يكون من القمح أولاً,ثم البرغل والكشك والحمص والعدس,ومن أعشاب البراري التي نشترك في ملكيتها مع الحيوانات الأليفة وغير الأليفة, وفي بعض البيوت يكون تموين من الزيتون والتين المعقود والمكدوس, وذلك رزق كريم لاندعيه في بيوتنا.

وفي الكروم قبل قطافهاكانت"المساطح"إحدى وسائل التموين القروي. المساطح جمع مسطحة , وهي مساحة من الأرض في الكرم بطول خمسة أمتر وعرض ثلاثة أمتار,يُجَفـَّفُ  عليها العنب ليصبح زبيباً ,وكذلك التين,وكانت المسطبة تـُدْلـَكُ دلكاً ب"مدلكة"ملساء لكي لا يأخذ الزبيب معه شيئاً من التراب بعد أن يجف .وحول الموقده في ليالي كانون الثاني الأصم كنا نأكل الزبيب والتين اليابس ورائحة عين المنتي فيها,أو رائحة البياض,أو كرم الـ"تحت الضيعة" الذي أصبح اليوم في قلب الضيعة, كان للأرض رائحة الأنثى في ذلك العصر القديم القديم .                   

             *******

 

عن الميلاد والنشأة الأولى:

كان جدي رحمه الله يؤرخ مواليد نسله بالقلم الغزّار على جلد قرآنه الكبير .وأمي كانت تؤرخ مواليدنابحوادث القريةوسنوات المطر الغزير,فإذا سألها أحد: متى ولد عمر؟ أجابت: ولد عمر في اليوم الذي قتل فيه" نسوان فهد", والآخر ولد يوم سيلة وادي العامود , وهكذا .

لقد حكيت قصة ولادتي نقلاً عن المرحومة "أسمة عواضة"في إحدى قصائد المنفى:

كل الذين أبصروا ولادتي

يؤكدون أنني ولدت تحت خيمة

"الجنفاص"في مواسم الحصادْ,

وأنّ أمي عندما فاجأها المخاض

كانت تحمل المنجل في يمينها

وتسلك الأغمار في اعتداد .

وتحت سقف الخيمة المثقوب

صار الوافد الجديد

جزءاً من الحصيد.

وتضيف المرحومة"أسمة عواضة"أنني كنت ممانعاً في المجيءإلى هذه الدنيا,حيث كان رأسي كبيراً,ويرفض أن يخرج إلى النور ,وتضيف أنها كانت تضغط على رأسي ,حيث ظلت بعض آثار ضغطها بادية في رأسي على مرّ السنين,فهل كان لكبر رأسي دور في وعي ضرورة الممانعة لزيارة هذا العالم الموبوء,والبقاء في عالم المـُثـُل,؟

لقد أرضعتني أمي هناك في حقول الصويري الجميلة من حليبها,واتسعت رئتاي لهوائها العليل,وتمرغتُ بترابهاالذي كان عندي أغلى من كل جواهر الدنيا ,وفي اليوم التالي رجعت هي إلى الحصاد.

وحين لفـَّتْ أمُه أعضاءه ب "العـَيْرَن"البريِّ,

ثم أرضعتْهُ صار وجه أخته خيمتهُ.

يا قلبها يا خيمة الصيف ويا مدفأة الشتاءْ

وظلت أختي "منتهى" معي في البيت ,فكانت تضع في حلقي قطعة الحلقوم الملفوفة بقطعة من منديل أمي الأبيض, والذي تغير لونه بسبب الغبار والأتربة التي كنت أرضع بعضها مع راحة الحلقوم .كانت أختي تضغط أكثر في إدخال القطعة كلما علا صوتي بالصراخ ,لم يكن عندها علاج لبكائي إلاّ إدخال قطعة الحلقوم في فمي . وليس مهماً عندها لو تشردقت أو اختنقت, المهم عندها أن أسكت .وكانت أمي أحياناً تدهن بدني ب"زيت الحلو" الذي يغذي الجلد كما تقول خالتي قدرية ,ويجعله طرياً .

وكانت تحزمني بالقماط حتى تستقيم أعضائي,وحين تفك القماط تبدأبطيِّ رجليَّ و"تجدِّب"يديَّ, ثم ترضعني من ثديها الدفاق الذي جمعت حليبه من نبات تلك الأرض الطيبة .

وفي تفتحاتي الأولى كنت أشرب الدبس أكثر من الماء,ويندلق الدبس على ثوب الشادر الطويل الذي كنت ألبسه بلا ثياب داخلية. ومن أين تأتي الثياب الداخلية في تلك الأيام!!! ,وحين ينشف الدبس على ثوبي الأزلي يغدو كالشنان أو كدف الخشب ,وكنت حين أعطش في أيام الشتاء أشرب أحياناً من ماء المزراب المتحدر من السطح

الطيني أو أكسر الجليد عن الماء المتجمد في الحفرة التي حفرها المزراب اثناء انهماره وأشرب.وكنا نسير حفاة في الصقيع حتى لكأن لنا أحذية من أقدامنا .وقد يظن أحد من الأجيال الجديدة أن في الأمر مبالغة ,ولكن الجيل الذي أنتمي إليه يعرف هذا جيدأ .

كان الكشك المغلي فطورنا الدائم أيام البرد ,وهو يعطي سعيرات حرارية عالية ,لم نكن نأكله لوصفة طبية , بل لأن حياتنا كانت هكذا .

قلت في قصيدتي "بطاقة شخصية":

كالكلب كان مرةً يجوع,ومرة يشبع.

 لكنْ لم يكن ينسى بكلتا الحالتين أنه إنسانْ .

أما إذا أردنا الاغتسال فكنا نسخن الماء بالطنجرة على الموقدة ثم نغتسل في العتبة وراء الباب ,أو في التبـَّان ثم نجلس أمام الموقدة لنتدفأ من الأمام ونبرد من الخلف ,ومع ذلك كنا سعداء ,ولم نكن نعرف ما تعني كلمة المستشفى .كان إذا مرض إنسان في القرية يشغل بال القرية كلها لأن المرض لم يكن مألوفاً في القرية .

أنا من الذين يعتقدون يقيناً أن المال لايجلب السعادة , بل يقتلها ,ويبلـِّد إحساس الإنسان,ويجعل قلبه رخاما لاخفقة حياة فيه .ولذلك أنا أشفق على الأغنياء الذين يقضون  أعمارهم في تجميع الثروة ظناً أنها مجلبة للسعادة , ,وإذا السعادة أبعد عنهم من أعمارهم . أشفق عليهم لأنهم ضلوا الطريق .إنهم أشبه بالمتخمين الذين يفقدون شهيتهم للطعام بالإكثار منه . السعادة إحساس يتولد من تلك الخفقة المسكونة باللمعان والخفقان والدفء الأزلي النابع من الحب , لأن الحب هوالذي يريك الأزلية في اللحظة الخاطفة,ويريك ذاتك ساكناً في كل القلوب النقية,ويجعلك رائياًلما خلف الحجاب , إنه الحب الذي يجعل الطفل جزءاً من أمه ,ويجعل قلبك يخفق في صدر من تحب ,ويجعل الأب يتبرع بكليته لابنته المصابة بمرض الكلية.الحب هوالذي يجعل آلام الولادة عند الأم سعادة ,وهو الذي يجعلك تعطي كأنما أنت آخذ. الحب هو الذي يجعلك تزداد كلما أُخِذ منك ,لأن الحب هو العطاء الأكبر. وهو الذي يجعل العطاء أجمل من الأخذ .    

 

 

 

رأيت "نـَوَراً" سعداء:

 

للنوَر حصة دائمة من كروم الصويري وبيادرها,ولنا حصة من قهوتهم المرة,وعزف ربابة الريِّس مصطفى وصوته الشجي.

عرفت النوَر في طفولتي المبكرة,وكانوا يفضلون النزول على العين لتوفر المياه ,ولقربها من الكروم,ونأيها عمن خالف جنسهم ,فالنوَر,ورغم كل الإلفة التي يبدونها للناس يحتفظون بلغزهم المتميز الميّال للعزلة عن الناس والسكن وحدهم في بيوت الجنفاص والأعمدة الخشبية تحتها.

في طبيعة النوري سر لايبوح به لمن خالف جنسه ,ولذلك يتخاطبون فيما بينهم بلغتهم العجيبة والتي هي مزيج من الأردية والفارسية وبقايا اللغات الهندو أوروبية .لغتهم مبهمة كحياتهم .تنظر في وجه النوري فتلحظ أن هناك شيئاً خبيئاً عنك ,وهذ الحذر النوري الدائم يدل على عدم ثقة بالآخر ,ويبدو أن هذا الحذر موروث منذ الزمن السحيق,وقد يكون مرتبطاً بحدث ما.

النوَر تموينهم يومي ,وقد يطول ليومين,ولذا فهم قـَدَريون في حياتهم,يأكلون ما يجمعون,وفي رأيهم أن اللقمة التي يأكلها الإنسان في هدوء أفضل من وليمة فخمة صاخبة .ومن آرائهم "تافه ٌأن يكون المرء غنياًً"هم متخففون باستمرار,بيوتهم خفيفة,وأبدانهم خفيفة ,ولا يحسبون حساباً لما سيأتي أبدأ.كنا نذهب إليهم ونحن أطفال صغار ,ونجلس حيث يكون هناك متسع تحت خيامهم ,كنت أنشد بذهول للربابة ذات الوتر الواحد ,لأنها غير معقدة وتشبه حياتنا وحياة النَوَرأيضاً .كنت أصغي بروحي لعزف الريس مصطفى,وأسرح على النغم المتهادي من عين الصويري  هناك حيث لا أعلم إلى أين يذهب,وصوت الريس مصطفى لايختلف كثيراً عن صوت الرباب . في صوته حدة,وهو يأكل كثيراً من الحروف ولذلك يجب أن تركز حتى تفهم ما يقول,وغناء النور يركز على الكرم ومدح أولي النعم وهم يغالون في وصف ممدوحهم ,وهذ ما يفسر أنهم كاذبون فيما يمدحون .

كنت أتمنى لو أرافقهم في ترحالهم,وأرى تلك البلاد التي يصلون إليها متلذذاً بنكهة الكشف والمغامرة ورؤية معالم مهجورة وراء مد البصر والخيال.

أطفالهم يحملون سماتهم وأخلاقهم,لهم سمرة حادة وعيون ذكية نافذة .لايقتربون منك إلا إذا أردت أن تعطيهم شيئاً ,أجسادهم ضامرة ولا يدعونك تدخل أسرارهم أبداً. يركضون مع الكلاب "السلاقية" على نعصة العين ,حتى تحسبهم يتقنون فهم أحاسيس كلابهم التي يحبونها أكثر من ضيوفهم ,والمقصود نحن بالضبط. يدربون كلابهم على التقاط الطيور والعودة بها دون المساس بها .

النَوَر يؤمنون بالمشاعية ,فهم لايقتنون شيئاً ما عدا بعض الحمير لحمل متاعهم في ترحالهم .ويعتبرون أن الأرض ملك للجميع,وينزلون حيث شاؤوا,ولا ينزعج منهم أحد , لأن الناس يدركون أن النَور لا يستقرون في مكان . ومشاعيتهم قد تصل إلى بعض موروثهم الاجتماعي ,والنوَر ليسوا متدينين كثيرا , وربما صلى بعضهم تقية ً,لأن أيامهم تصرف بين الغناء والرقص وجمع ما تجود به الأيدي . وهم لايرون أي عيب في التسوّل.لأنهم كما قلنا يؤمنون بالمشاعية بمعناها الكوني الواسع .

لم أر في حياتي قبراً لنوري ,ولعل هذا مرتبط بترحالهم الدائم,فقد يموتون على الطرقات,وقد لايموتون أبداً ,هكذا كنت أفكر وأنا طفل صغير.

بعض النَوَر يمارسون صنع الغرابيل وبيعها,وبعضهم يمارسون صنع الربابات وبيعها أيضاً,ويقبلون الحمير التي شارفت على نهايةعمرها من أصحابها بلا ثمن ,يسلخونها ,ويستفيدون من جلودها,وبعضهم ذو قدرة فائقة في صيد "النيص"

وبعض النوريات يمارسن "التبصير", وقراءة البخت,ولهن جملٌ محفوظة عن ظهر قلب,يقلنها لكل من يبصرن له .وكنا ,ونحن صغار,نخاف من النَور,فقد كان أهلنا يخوفوننا من النَور,ويقولون لنا:إنهم يخطفون الأطفال ويبيعونهم في ترحالهم ,والنورية تضع الطفل في "شقبانها" وتذهب به إلى البلاد البعيدة.وكنا نغني ونحن صغار:

نَوَرْ ,نوَرْ تحت التوتْ

معهنْ صبي عم بيموتْ

الحرية التي يمارسها النوَر تمزق وقار القوانين الاجتماعية المتبعة عند جميع الأمم.ولهم مفاهيم لاتعترف بالحدود التي يصنعها البشر في الجغرافية والتاريخ معاً .إنهم وجوديون حتى الثمالة ,يمارسون حريتهم كما يحلو لهم , ويمدون ألسنتهم سخرية من القوانين البشرية ,والضوابط الاجتماعية

 قلما تجد متاعاً في بيوت النور. ومع ذلك تراهم مقتنعين يغنون للحياة باستمرار. متاعهم ألحانهم والربابة ,وخيام الجنفاص,وحمير القرية الكهلة ,وبعض الغرابيل,والجلود , وبعض الودع للتبصير,وبعض الكلاب السلاقية.ولشدة عزوفهم عن الدنيا فإن لهم القدرة على وضع النسيان في قلوب الناس .ليس عندهم فرق بين الطرب والبلاء.يتبعون الألحان ويسافرون حيث تأمر أمانيهم.

النور يأنفون أن يكونوا متعلمين,قرأت في تحقيق صحفي عنهم ذلك.لقد سأل الصحفي طفلاً نورياً: هل تذهب إلى المدرسة؟ ورد الطفل :لا ,وأعقبت أمه :لا تنس أننا نور!!

أنا ما زلت مأخوذاً بأسفارهم,وكم أتمنى لوأزور كل الأمكنة التي يمكن أن تصل إليها خيام الغجر.

لقد جمع شاعرهم الخالد "فريدريكو غارسيا لوركا" أغانيهم في ديوانه الشهير "أغاني" الغجر" صاغ أغانيهم بيراعته الغجرية الحادة الخالدة ,وورث عنهم التمرد والحرية ,ومات مطعوناً على بوابة الفجر نازفاً دمه من أجل الفجر نفسه.

 

أخلاق القرية " الصويري":

 

ولم يكن يوجد في قريته سلاح ,

كانت تنام ملء عينيها على مقربةٍ

من حزنه الجميل,

تحرسها الرعود والرياح,

وفارس الليل أبو زيدٍ بلا منازع ٍ

وعنتر العبسيُّ,

وهو يسأل الصحراءعن

عبلة َ,عن هودجها ,عن شجر الرماح.

كانت الصويري في تلك الأيام رمزاً للوداعة والطيبة ,والحياة الهانئة .

تتمتع الصويري بكل المزايا الطيبة التي يفخر بها القرويون , القروي بطبعه كريم ,أريحي, متمسك بتراثه الأصيل,يؤثر على نفسه,ويبقى "كأنك تعطيه الذي أنت سائله" ,لقد تغيرت المفاهيم الاجتماعية كثيراً, ولكن الصويري لاتزال تحمل كثيراً من تراث  الماضي,وتأبى أن تتخلى عنه , وبخاصة ما كان لصيقاً بالتراث الأصيل, فالكرم من ألصق الصفات بنفسية ابن الصويري ,وهذا من صفات الإيمان ,ولن ننسى كيف أن الرسول أطلق سراح بنت حاتم الطائي في إحدى غزواته, وقال لصحبه "خلوا عنها فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق"في الصويري إذا كان الكرّام عائداً من كرمه ولاقاك فسيعطيك من عنب كرمه ,ولن يجديك التعلل بأنك لتوِّك أكلت عنباً ,وإذا كان بيتك في أول القرية كبيتنا مثلاً فستأكل من عنب الجميع وأنت بلا كرْم, الكرَم في الصويري سجية وفطرة في الماء والتربة وطبائع الأشياء ,وقد يصل كرم البعض إلى حد التهور,ومع ذلك يبقى الكرم في الصويري امتداد الماضي في الحاضر في عصر أصبح فيه الكرم شيئاً غير مفهوم ,إنها سمات العصر الزراعي القديم يوم كانت القرية كأنها بيت واحد في السراء والضراء ,القروي عندما يستضيفك يشعر في أعماقه بسعادة غامرة , وهو يردد دائماً "الأكل على قدر المحبة " هذه الصفة في الصويري لاتزال إلى حد كبير حاضرة في وجدان أهلها إلى الآن رغم أن العصر الزراعي يكاد يأفل,لقد بدأ المجتمع الوظيفي يسيطر على السلوك لأن المخصص المحدود يفرض على صاحبه سلوكاً محدداً , فإذا ألح على مخصصه فسيضطر للاستدانة والواجبات الأخرى لاترحم أبداً ,فالتعليم أصبح مكلفاً, ومعظم قضايا الحياة صارت تضغط على الدخل وتفرض سلوكاً لم يكن معهوداً في العصر الزراعي الذي يشبه الجنة الضائعة , وهناك سباق اجتماعي محموم للتمظهر بدأيهيمن على سلوك الناس والذي بدأ يقتل روح الحياة ويتعامل مع القشرة ,فإذا لبّسَ جاري بيته حجراً فستراني مضطراً لتقليده, ولو اضطررت للاستدانة ,و"خطيـّة" إذا كان طقم الكنبيات عتيقاً ,أو إذا كانت السجادة عتيقة , إنها الحياة الجديدة التي بدأت تمسخ لحظة السعادة التي كنا نراها في الأكواخ المملوءة بالفقر والحب في آن ,إننا في سباق محموم صوب العقم الروحي الذي بدأ يغزو حياتنا الجديدة ,ولا بد من العودة لينابيع الحياة الأولى , وهذا يحتاج تثقيفاً روحياً عالياً,وإعادة قراءة تلك الكتب التي تملأ أعماقنابنسغ الحياة الأول,لابد من إعادة قراءة "ألف ليلة وليلة وليلة "ولو للمرة الألف,لابد من إعادة قراءة سيرة عنترة ,والريادة المصرية وتغريبة بني هلال . إن هذه الكتب ذات تأثير عال ٍفي النفس الشرقية ,ولها قدرة عالية على خلق جذب دافئ يشبه الجذب الصوفي الذي يغسل النفس من أدرانها, ويسكب فيها حب البطولة والإيثار والتضحية .

من صفات الصويريين الإيثار, هذا الكلام ليس ادعاء ولا لأنهم أبناء جلدتي , إنه الحقيقة بدون مواربة, وحياة الصويريين مملوءة بقصص الإيثار,لديهم نخوة ومروءة ,إذا صادقك الصويريُّ فلن تخسر معه أبداً, إنه يؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة,وهذه من خصال الإيمان في البشر, وهي سمةٌ متحدرةٌ للصويريِّ من الصحراء وأخلاقها الخضراء .

أهل الصويري متسامحون,وبسطاء إلى حد أنك ترى قلب أحدهم من خلال كلماته ,إيمانهم فطري,ومولعون بفعل الخير,واحدهم يشعر بالتكامل حين يقوم بعمل حسن .ليس واحدهم كالذي في باطنه ظلمة ويشعُّ لسانه .

يحبون العمل إلى درجة أنهم يعملون ,وكأنهم يلعبون .ابن الصويري مولع بالعمل ,من أبرز صفاتهم حب الأرض ,الأرض عند الصويريين مقدسة,واحدهم مستعد لبيع ثيابه ولا يبيع ثلماً واحداً من الأرض كما يقولون .ارتباطهم بالأرض أكسبهم صفات الأرض,يحبون أن يأكلوا من النباتات التي يقطفونها من الأرض مباشرةً, ولهم قدرة على تذوق نتاج الأرض,هم ذوو أصول فلاحية ,ولذايحملون روائح أرضهم أينما حلوا,وكأنها هويتهم الأولى والأخيرة.

لاينعتون أرضهم بالفقر حتى ولوأمحلت ,لأنهم مقتنعون أن الأرض تحزن حين يجوع أبناؤها,وهي ستمرع مهما استمر بخل الغمام.

ومع ذلك فلسنا خالين من العيوب , نعم قد توجد فينا عيوب كثيرة ,ولكنها لاتستحق أن نذكرها,ليس استصغاراً لشأنها,وإنما لأنها طارئة غلى صفاتنا,وليست طبيعة فينا, فبقليل من الوعي والعودة إلى أصولنا نستطيع إزالة الأدران التي وفدت إلينا من الجهل والتخلف.الطبيعة الشريرة ليست من سمات المفطورين على على الطيبة وكرم الأخلاق, والذي يلبس في قريتنا ثوباً ليس له يأكل الناس لحمه ميتاً وحياً .

خلائقنا الطيبة لايمكن فصلها عنا لأنها دخلت تكويننا مع الحليب .

أهل قريتي ليسوا عدميين,والدليل إقبالهم على العمل,والعمل تحديداً في الأرض التي هي أم الحياة. والعمل يجعل الإنسان اقتحامياً باستمرار.دائماً لهم شغف بالعمل في الأرض الطيبة,ولهم صفات الأرض ,البساطة والوضوح, والخصب,والعطاء بدون منة .

ويفرحون حين يهطل المطرْ,

ويقرأون قصص الأبطال في مواسم المطرْ,

ويلعبون "بالورقْ",

حين يَسِحُّ الغيمُ بالمطر.

الناس في بلادنا

يؤرِّخون الحبَّ بالمطر,

ويغسلون الهمَّ بالمطرْ

         

             ******

 

 

 

 

 نداء للصويريـِّين المقيمين والمغتربين :

 

قد يسأل البعض لماذا لم أكتب هذا الكتاب قبل اليوم,وأنا أيضاً لم يكن يدور في خـَلـَدي أن أكتب هذا الكتاب في يوم من الأيام.

بلا أدنى تردد أقول أني رأيت قريتي ووطني بأعلى درجات الوضوح وأنا في المنافي في بلاد الناس،هناك رأيت الصويري أكثر,ورأيت وطني أكثر,هل هو الحرمان؟ هل هي الغربة ؟ أم أنني كنت منشغلاً بامتطاء العواصف من قبل؟ هناك في الليالي التي لاقعر لها,في أعماق الزنازين كانت زواريب الصويري تمتد في ذاتي كالشرايين,وكانت روائح طينها تصل إلى صدري على بعد آلاف الأميال.وكانت صور أهلها تزورني ليلياً,وأرى صباياها ومراتع الطفولة فينتابني جذب صوفي غامر لايشعر به إلا الغرباء والذين فقدوا أعز ما يملكون.كنت باستحضارها أساعد نفسي على قتل الزمن ,حيث كان الزمن ينساب في سديم لا نهاية له,وكنت "كمن يملأ برميلاً لاقعر له"والوقت في السجن كالفيل لايتحرك ، هكذا كنت أشعر حتى بلذة حسية ,وأنا أردد "العين , المحاور,المسيل,عين المنتني,الحمرا,جرين الجبل, كرم البور, عمي علي,... "كانت هذه الأبجديات تريحني كمن يأخذ مسكِّناً للألم .ومن يومها بدأت الصويري تغتصب معظم وقتي وشعري, وقلت في ذاتي: لابد من الوفاء لهذ القرية,ولأنني على حد قول المتنبي:

لاخيلَ عندك تهديها ولا مالُ

              فليسعد النطقُ إن لم تسعد الحالُ

إذن لابد من الكتابة وفاء للعهد الذي أخذته هناك في الزمن السفلي يوم كان الليل مقيماً في النهار.

فيما بعد تشاورت مع بلدية القرية لنعمل معاً لفتح مكتبة في الصويري,مكتبة عامة ليطالع فيها من يشاء,وكان تجاوب البلدية رائعاً,وذهبت مع أحد الإخوة في المجلس البلدي إلى وزارة الثقافة,وقابلنا المدير العام في هذه الوزارة الأستاذ" أندريه صادر"وكان رجلاً طيباً ,أحب مساعدتنا من قلبه, ولكن يبدو أن لاإمكانيات لديه,وما زلنا نراجعه.

أقترح على جميع أهل القرية أن يساعدوني في إنشاء هذا الصرح العلمي الذي هو وحده يبقى بعد زوالنا,والذي هو بنكٌ رأس ماله كبير جداً, ولكنه بنك لعقولنا وليس لجيوبنا. أقترح على الجميع وتحديدأ على المغتربين أن يرسلوا تبرعات, لنبني بناء لائقاً ,ولنشتري كتباً يركن أبناؤنا إليها ليدخروا علما , لأنه في البدء كانت الكلمة وفي النهاية تبقى الكلمة ,والله أول ما أمر بالعلم"إقرأ باسم ربك الذي خلق, خلق الإنسان من علق, إقرأ وربك الأكرم, الذي علم بالقلم, علم الإنسان مالم يعلم" صدق الله العظيم.

ما أجمل الاحتفال بالعلم,إنه يملأ الوجدان بنور المعرفة.وكلما ازداد العلم الحقيقي في الإنسان ابتعد عن الحقد لأن "الحقد دليل أعمى"وأنا عرفت رجالاً ثملين بالعلم,ولذا أصبحوا ثملين بالله.وتحصيل العلم لايحتاج إلى مال لمن أراده ,وإنما يحتاج لأوامر داخلية لامناص من الاستجابة لها ,سئل أحد الصوفيين:"بأي شيء وجدت هذه المعرفة؟قال: ببطن جائع وبدن ٍ عار ٍ" وكل شيء يفقد قيمته إذا لم يكن العلم رائدأً له,وقيل قديماً :"إذا لم تكن لديك إصبع سليمان الحكيم فما نفع زركشة خاتمك بالجواهر."      

 

أنا سأبدأ بنفسي,وسأتبرع بقسم من ريع هذا الكتاب لإنشاء مكتبة كبيرة في الصويري,وبمجموعة كتب أخرى.وأنا آمل أن يستجيب أحبابنا وأهلنا المقيمون والمغتربون لهذا النداء الموجّه إليهم عبر كتاب أتمنى أن يحظى بقبولكم .

                           عمر شبلي ــ الصويري

                         25 ــ 11 ــ 2003

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
north face cyber Monday hollister black friday true religion black friday true religion black friday jordan 13 grey toe michael kors black Friday uggs cyber monday beats by dre black Friday black infrared 6s michael kors outlet victoria secret cyber monday victoria secret cyber monday bred 13s gucci cyber monday uggs cyber monday victoria secret cyber monday kate spade cyber monday jordan cyber monday lululemon black friday hollister black friday beats by dre black Friday north face cyber Monday hollister black friday beats by dre cyber Monday coach outlet online jordan 11 legend blue north face black Friday kate spade cyber monday true religion black friday uggs cyber monday michael kors cyber monday north face outlet gucci cyber monday hollister black friday uggs cyber monday beats by dre black Friday north face cyber monday jordan 11 legend blue uggs cyber monday hollister cyber monday